فقال: أبو عمرو: إنك أعجمي (١) ، إنّ خُلْفَ الوعيد كرم، وإن خُلْفَ الوعد لؤم (٢) .
ثم قال له: ألم تسمع إلى قول الشاعر:
(١) ولا أقول إنك أعجم اللسان بل أنت فصيح منطيق، لكنك أعجم القلب، وعجمة القلب هي عدم الفهم عن الرب، أي أن لا يكون القلب زكياً ولا طاهراً ولا نقياً، وليس في عجمة اللسان منقصة، لكن عجمة القلب هي التي فيها منقصة وهي المذمومة سواء كانت في العرب أو في العجم، وكما أن من كان أعجم اللسان لا يفهم لغة العرب فمن كان أعجم القلب لا يفهم عن الرب. (٢) فإذا لم يوقع الله العقوبة بالعاصي هذا كرم منه، وأنا إذا قلت لشخص - مثلاً – إن خالفت أمري لأضربنك مائة سوط ثم خالف أمري، وقضيت عليه، فقال لي: اعف عني، فقلت له: عفوت عنك، فهل يقول لي أحد الآن كذبت، بل ماذا يقولون؟ عفوت وتكرمت، العفو عند المقدرة من شيم الكرام، ولذلك وصف الله عباده بأنهم (والدين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) ووصفهم بأنهم (والعافين عن الناس) فكيف هذا؟! الجواب: كان سلفنا يكرهون أن يُستذلوا فإذا قدروا عفوا، فهو عندما يصيبه البغي لا يعفو بل يمسك بالمجرم ويكاد أن يقتله، فيقول له ذاك عندها: اعف عني، فيقول: عفوت عنك، فإذن هم يعفون بعد تمكنهم من الانتصار لأنفسهم، أما من يعفون في حال الضعف فهذا يعتبر هنا خوراً وذلاً وجبناً، ولذلك قال (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) فأثنى الله عليهم بأخذهم لحقهم ثم إذا تمكنوا من الباغي عليهم عفوا عنه، ولذلك ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بعد أن تمكن منهم وكانوا قد آذوه إحدى وعشرين سنة ثلاثة عشر سنة في مكة وثماني سنين في المدينة يعارضونه فبعد أن تمكن منهم قال لهم ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم ... إذن هنا قدر عليهم – فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فهذا يعتبر كرماً وشهامة ومروءة في حق المخلوق فكيف في حق الخالق.