ومن المعلوم أن مباينة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لذوي العقول أظهر من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم، لسائر الناس فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالماً بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولاً إلى الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله – تبارك وتعالى – رسولاً إلى الناس فإن النبوة لا تنال بالاجتهاد كما هو مذهب أهل الملل (١) .
وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم، بالله – تعالى – وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة، وأهل العلم بالطب.
(١) أي جميع أهل الديانات لا خلفا بينهم في كون النبوة محض فضل من الله – جل وعلا – يعطيه من يشاء من عباده، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ولم يخالف في هذا إلا حثالة البشر من الفلاسفة فقالوا: إن النبوة مكتسبة للعبد بمباشرة أسباب خاصة، ويفسرون النبوة بأنها صفاء وتَجَل ٍ للنفس يحدث لها من الرياضات بالتخلي عن الأمور الذميمة، والتخلق بالأخلاق الحميدة، وهذه الضلالة إحدى ضلالاتهم المكفرة – عليهم لعنة الله رب العالمين – انظر تحفة المريد: (٢/٣٠) وحاشية الأمير: (١١٣) ، وفي الجوهرة: (١٤)