للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال نبينا عليه الصلاة والسلام: [لم يتكلم في المهد إلا أربعة ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وعيسى عليه السلام، وصاحب جُريج]

وصاحب جُريج هذا حديثه في الصحيحين وهو عابد وراهب [عندما كان يصلي دعته أمه فقال اللهم أمي وصلاتي] ولو كان فقيهاً لأجاب أمه لأنه إذا دعتك أمك وأنت في نافلة فاقطع النافلة وأجب أمك لأن إجابتها فريضة والنافلة سنة لك أن تقطعها. [ثم قالت: يا جُريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، ثم قالت: يا جُريج (للمرة الثالثة) فقال: اللهم أمي وصلاتي فقالت أمه: والحمد لله أنها لم تدع عليه بغير هذا – اللهم لا يموت جُريج حتى يرى وجوه المياميس – أي الزانيات – وكان هناك راع يرعى الغنم وهناك امرأة بغي اتصل بها هذا الراعي عن طريق الحرام وأحبلها قيل لها من أين هذا؟ قالت: من جُريج العابد الذي يعبد ربه في هذه الصومعة، فغضب بنو إسرائيل وحملوا المعاول والعصي وجاءوا إلى صومعته فهدموها، فقال لهم ماذا تفعلون؟ قالوا: تدعي أنك عابد راهب معتدل ثم بعد ذلك تعتدي على هذه المرأة، فقال: أين الغلام؟ فقيل له هذا، فأتى إليه جُريج ونقر على بطنه وقال: من أبوك يا بابوس؟ قال: فلان الراعي، فأكب الناس على قدمي جُريج يقبلونها ويقولون له نبني لك صومعة لبنة من ذهب ولبنة من فضة فقال: بل أعيدوها كما كانت] .

لكنه رأي وجوه المياميس رأى هذه المرأة التي وجهها منكر فيه هذا البلاء والغضب لأنه ما أجاب أمه، حذار حذار أن يدعو عليك أحد والديك إذن فهؤلاء تكلموا في المهد.

[فلما قال لها الغلام هذا طرحت الولد في النقرة ثم أخذوها وألقوها مع أولادها فاحترقوا جميعاً فجمع فرعون – عليه لعنة الله – عظامهم (١)


(١) كيف شم النبي صلى الله عليه وسلم رائحة قبرها مع أن طريق الرحلتين لا يمر على مصر فكيف كان هذا وبماذا يفسر؟

لا يلزم من شم نبينا عليه الصلاة والسلام لتلك الرائحة الزكية الطيبة في رحلته أن يكون قبر الماشطة وأولادها في طريق النبي عليه الصلاة والسلام فقبرها وقبر أولادها في بلاد مصر إخوتي الكرام ... كما قلنا هذه من أحوال البرزخ التي أطلعها الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: ولتوضيح الأمر: ألم ير النبي صلى الله عليه وسلم في طريق رحلته أناساً تقرض ألسنتهم وشفاههم مقاريض من نار، ثم قال من هؤلاء يا جبريل؟ فقال له: هؤلاء خطباء الفتنة.
وهؤلاء لم يوجدوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سيوجدون بعده وسيخطبون لكنهم عرضوا عليه في هذا الوقت وكذلك رأى عذاب من يتثاقل عن الصلاة والصلاة إلى ذلك الوقت لم تفرض ورأى عذاب من لا يؤدي الزكاة والزكاة لم تفرض إلى ذلك الوقت، فإن قيل: كيف هذا؟ نقول: هذا من باب إطلاع الله لنبيه عليه الصلاة والسلام على مغيب وقع أو سيقع، وكذا قبر ماشطة فرعون لم يكن في طريقه لكن أطلعه الله عليه وأشمه رائحته.
إذن فلا يشترط فيمن رآهم يعذبون أن يكونوا في طريق رحلته بل هذا كله من خوارق العادات ومن إطلاع الله لنبيه عليه الصلاة والسلام لبعض المغيبات ولا إشكال في هذا.
ولذلك فبالنسبة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندما جمعهم الله في بيت المقدس وجمع له بعضهم في السموات العلا هل كان الاجتماع بأرواحهم أم بأرواحهم وأجسادهم؟ ذكر الحافظ ابن حجر الأمرين قيل. بعثوا من قبورهم من جميع أقطار الدنيا وقيل أرواحهم تشكلت في بيت المقدس قلت: السكوت في هذه المواطن من ذهب لأنها من أمور الغيب. وأمور الغيب إذا لم نطلع عليها فنؤمن بها دون البحث في كيفيتها، إذا جمع الله أجسادهم فهو على كل شيء قدير وإذا شكل الله أرواحهم فهو على كل شيء قدير ولا يجوز مطلقاً أن نفهم ما يجري في البرزخ على حسب ما يجري في الدنيا فهذا الدار لها أحكام وقوانين خاصة.
فنحن في الدنيا الأحكام من عذاب ونعيم تقع على البدن فقط والروح تتأثر بذلك تبعاً للبدن لا أصلا ً وفي البرزخ على العكس تماماً فالنعيم والعذاب يقع أصالة على الروح، والبدن يشعر بذلك تبعاً.
وفي الآخرة فهذه أكمل الدور – فالأحكام من عذاب ونعيم يقع أصالة على الروح والبدن كل واحد يشعر بعذاب ونعيم دون تبعية لغيره، (مثل ضربه الشيخ باستعمال ميزان البصل في وزن الذهب) فلكل شيء موازين خاصة فإياك أن تقيس البرزخ على الدنيا، وإياك أن تقيس الآخرة على البرزخ.