الِاسْتِسْقَاءِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ «أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى» ، وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى، وَبِهِ أَخَذَ الْجُمْهُورَ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَسْقَى» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانقطعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ» . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً، وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَعْنِي: «أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ» -.
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُننهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ. وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُننهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُننهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ» .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.