وَالثِّقَلِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: ٢٨٦] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى إِسْلَامًا.
الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ الْإِسْلَامَ اسْمٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى فَوَاضِلِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ يُكْتَبْ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَإِنَّمَا كُتِبَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَثَرِ وهب: " أَعْطَيْتُهُمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ "، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُسْلِمِينَ كَمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَلَمْ يُسَمَّ غَيْرُهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا أَخْرَجَهُ أبو يعلى مِنْ حَدِيثِ علي مَرْفُوعًا: " «الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» " وَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، والحاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا ابْتُلِيَ أَحَدٌ بِهَذَا الدِّينِ فَقَامَ بِهِ كُلَّهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤] قِيلَ مَا الْكَلِمَاتُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ ثَلَاثُونَ سَهْمًا، عَشْرٌ فِي قَوْلِهِ: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة: ١١٢] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ: {قَدْ أَفْلَحَ} [المؤمنون: ١] ، وَ {سَأَلَ سَائِلٌ} [المعارج: ١] ، وَعَشْرٌ فِي الْأَحْزَابِ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: ٣٥] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَأَتَمَّهُنَّ كُلَّهُنَّ فَكَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً، قَالَ تَعَالَى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: ٣٧] .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سِهَامُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثُونَ سَهْمًا لَمْ يُتِمَّهَا أَحَدٌ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ السِّهَامِ، وَلَمْ تُشْرَعْ كُلُّهَا إِلَّا فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِهَذَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ.
الْمَعْنَى الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِسْلَامَ مَدَارُ مَعْنَاهُ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ وَلَمْ تُذْعِنْ أُمَّةٌ لِنَبِيِّهَا كَمَا أَذْعَنَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ، فَلِذَلِكَ سُمُّوا مُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُذْعِنُ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالشَّرَائِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ الرَّاغِبِ فَسُمُّوا مُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْصَاءِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ، مِنْهَا: حَدِيثُ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» ، وَقَدْ قَالَ المقداد يَوْمَ بَدْرٍ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَنُو
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.