(وَعَلَى هَذَا) الَّذِي تَحَرَّرَ مُرَادًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ (يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الضِّدِّ بِالْمُفَوِّتِ ثُمَّ إطْلَاقُ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهِ فَوْرِيًّا) فَيُقَالُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْمُفَوِّتِ لَهُ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَعَلَى قِيَاسِهِ: وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ الْمُفَوِّتِ عَدَمَهُ لَهُ فَيَئُولُ فِي الْمَعْنَى إلَى قَوْلِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الضِّدَّ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ يَحْرُمُ، وَإِنْ فَوَّتَ عَدَمَهُ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ فَالْأَمْرُ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَالنَّهْيُ كَوْنَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً لَكِنْ كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ تَرْكِهِ، وَحُرْمَةَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نِزَاعٌ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْبَاقِي فَسَيَأْتِي مَا فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ) فِي كَوْنِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ.
أَوْ لَا تَظْهَرُ إذَا تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفَعَلَ ضِدَّهُ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِنَهْيٍ مِنْ حَيْثُ (اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ) كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ (أَوْ) اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ (بِهِ) أَيْ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَبِفِعْلِ الضِّدِّ حَيْثُ عَصَى أَمْرًا وَنَهْيًا) كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَفِي كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ تَظْهَرُ إذَا فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَتَرَكَ ضِدَّهُ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِأَمْرٍ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدِّهِ أَوْ بِهِ وَبِتَرْكِ فِعْلِ الضِّدِّ كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِإِرْشَادِ الْأَوَّلِ إلَيْهِ (لِلنَّافِينَ) كَوْنَ الْأَمْرِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَبِالْعَكْسِ أَنَّهُ (لَوْ كَانَا) أَيْ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ وَالْأَمْرُ بِالضِّدِّ (إيَّاهُمَا) أَيْ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ (أَوْ لَازِمَيْهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ (لَزِمَ تَعَقُّلُ الضِّدِّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْكَفِّ) فِي الْأَمْرِ وَالْأَمْرِ فِي النَّهْيِ (لِاسْتِحَالَتِهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حِينَئِذٍ (مِمَّنْ لَمْ يَتَعَقَّلْهُمَا) أَيْ الضِّدَّ وَالْكَفَّ فِي الْأَمْرِ وَالضِّدَّ وَالْأَمْرَ فِي النَّهْيِ (وَالْقَطْعُ بِتَحَقُّقِهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (وَعَدَمِ خُطُورِهِمَا) أَيْ الضِّدِّ وَالْكَفِّ فِي الْأَمْرِ وَالضِّدِّ وَالْأَمْرِ فِي النَّهْيِ (وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا لَا يَخْطُرُ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَالْمُرَادُ) بِالضِّدِّ هُنَا (الضِّدُّ الْعَامُّ) أَيْ الْمُطْلَقُ وَهُوَ مَا لَا يُجَامِعُ الْمَأْمُورَ بِهِ الدَّائِرَ فِي الْأَضْدَادِ الْجُزْئِيَّةِ. (وَتَعَلُّقُهُ) أَيْ الضِّدِّ الْعَامِّ (لَازِمٌ) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (إذْ طَلَبُ الْفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (لِانْتِفَاءِ طَلَبِ الْحَاصِلِ وَهُوَ) أَيْ الْعِلْمُ بِعَدَمِهِ (مَلْزُومُ الْعِلْمِ بِالْخَاصِّ) أَيْ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ (وَهُوَ) أَيْ الضِّدُّ الْخَاصُّ (مَلْزُومٌ لِلْعَامِّ) أَيْ لِلضِّدِّ الْعَامِّ (وَلَا يَخْفَى مَا فِي الِاعْتِرَاضِ مِنْ عَدَمِ التَّوَارُدِ أَوَّلًا، وَتَنَاقُضِهِ فِي نَفْسِهِ ثَانِيًا، إذْ فَرْضُهُمْ الْجُزْئِيَّةَ) لِلضِّدِّيَّةِ فِي نَفْيِ الْخُطُورِ (فَلَا تَخْطُرُ) الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ (تَسْلِيمٌ) لِنَفْيِ خُطُورِ الضِّدِّ الْجُزْئِيِّ (وَقَوْلُهُ) الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْفِعْلِ (مَلْزُومُ الْعِلْمِ بِالْخَاصِّ يُنَاقِضُ مَا لَا يَخْطُرُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ الْأَضْدَادَ الْجُزْئِيَّةَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ إثْبَاتُ خُطُورٍ لَهُ (وَأُجِيبَ) عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ (بِمَنْعِ التَّوَقُّفِ) لِلْأَمْرِ بِالْفِعْلِ (عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ) بِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَالِ الْأَمْرِ (لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مُسْتَقْبَلٌ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى مَا فِي الْحَالِ وَلَوْ سُلِّمَ) تَوَقُّفُ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِهِ.
(فَالْكَفُّ) عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الضِّدُّ (مُشَاهَدٌ) مَحْسُوسٌ (وَلَا يَسْتَلْزِمُ) الْكَفُّ حِينَئِذٍ (الْعِلْمَ بِفِعْلِ ضِدٍّ خَاصٍّ لِحُصُولِهِ) أَيْ الْكَفِّ (بِالسُّكُونِ) فَلَا يَلْزَمُ تَعَقُّلُ الضِّدِّ (وَلَوْ سُلِّمَ) لُزُومُ تَعَقُّلِ الضِّدِّ (فَمُجَرَّدُ تَعَقُّلِهِ الضِّدَّ لَيْسَ مَلْزُومًا لِطَلَبِ تَرْكِهِ) الضِّدَّ (لِجَوَازِ الِاكْتِفَاءِ) فِي الْأَمْرِ (بِمَنْعِ تَرْكِ الْفِعْلِ) الْمَأْمُورِ بِهِ (إمَّا لِمَا قِيلَ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.