التَّعْزِيرُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
مَا يَضْمَنُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقًّا لِلْعَبْدِ.
وَالْجَرْحُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ وَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ هُوَ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا لِلْعَبْدِ، كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَعَمُّ مِنْ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ الَّتِي مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّلْوِيحِ مَا تَعَلَّقَ نَفْعُهُ بِالْعَامَّةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَحْرِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ الْحَقِّ الْحَدُّ فَلَا يَدْخُلُ التَّعْزِيرُ لِقَوْلِهِمْ: وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْقَاضِي إلْزَامُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُهُ بِالتَّوْبَةِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِهَا، فَوَضَحَ الْفَرْقُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ مَثَّلُوا لِلْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ بِأَكْلِ الرِّبَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، فَتَعَيَّنَ إرَادَةُ الْحُدُودِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّعْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. لَكِنَّ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَتُقْبَلُ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ لِأَنَّهَا إخْبَارٌ، فَإِذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ أَنَّ الشُّهُودَ فُسَّاقٌ أَوْ أَكَلَةُ الرِّبَا فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّعْدِيلِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ لِلشَّهَادَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْعَمَلُ بِهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْجَرْحُ الْمُعْتَبَرُ.
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَهُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ مَقْبُولًا وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّعْدِيلِ غَيْرَ مَقْبُولٍ بَعْدَهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِصَابِ الشَّهَادَةِ وَإِثْبَاتِ حَقِّ الشَّرْعِ وَالْعَبْدِ وَقَدْ اضْمَحَلَّ بِهَذَا التَّحْقِيقِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ الْكَمَالِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ. إذْ الْغَرَضُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُقَيِّدَةِ.
قَوْلُهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَفْظُهَا قَالَ لَهُ: يَا فَاسِقُ. إنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ فِسْقَهُ بِالْبَيِّنَةِ لِيَدْفَعَ التَّعْزِيرَ عَنْ نَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَرْحِ وَالْفِسْقِ لَا تُقْبَلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ يَا زَانٍ ثُمَّ أَثْبَتَ زِنَاهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَدِّ وَلَوْ أَرَادَ إثْبَاتَ فِسْقِهِ ضِمْنًا لِمَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ كَجَرْحِ الشُّهُودِ إذَا قَالَ: رَشَوْتهمْ بِكَذَا، فَعَلَيْهِمْ رَدُّهُ وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ كَذَا هَذَا
(١٤) قَوْلُهُ: التَّعْزِيرُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ مِنْ الشَّهَادَةِ: وَفِي التَّتِمَّةِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ فَأَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْقُنْيَةِ وَيُضْرَبُ الْمُسْلِمُ بِبَيْعِ الْخَمْرِ ضَرْبًا وَجِيعًا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فَإِنْ بَاعَ فِي الْمِصْرِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّرْبُ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.