يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ من السماء، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} فَإِذَا أَنْزَلَ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ كَمَن فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ تَعَالَى فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَمَا يَشَاءُ، وَيُنْبِعُهُ عُيُونًا مَا بَيْنَ صِغَارٍ وكبار، بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض}، عن ابن عباس قَالَ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا نَّزَّلَ مِنَ السماء، ولكن عروق الْأَرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعُودَ الْمِلْحُ عذباً فليصعده (رواه ابن أبي حاتم، وهكذا قال الشعبي وسعيد بن جبير أَنَّ كُلَّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَأَصْلُهُ مِنَ السَّمَاءِ)، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَصْلُهُ مِنَ الثَّلْجِ يَعْنِي أَنَّ الثَّلْجَ يَتَرَاكَمُ عَلَى الْجِبَالِ، فَيَسْكُنُ فِي قَرَارِهَا، فَتَنْبُعُ الْعُيُونُ مِنْ أَسَافِلِهَا، وقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}، أَيْ ثُمَّ يُخْرِجُ بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالنَّابِعِ مِنَ الْأَرْضِ {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أَيْ أَشْكَالُهُ وَطُعُومُهُ، وَرَوَائِحُهُ وَمَنَافِعُهُ، {ثُمَّ يَهِيجُ} أَيْ بَعْدَ نضارته وشبابه يكتهل، فنراه مُصْفَرًّا قَدْ خَالَطَهُ الْيُبْسُ، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} أَيْ ثُمَّ يَعُودُ يَابِسًا يَتَحَطَّمُ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الْأَلْبَابِ} أَيِ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِهَذَا، فَيَعْتَبِرُونَ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا هَكَذَا تَكُونُ خضرة ناضرة حَسْنَاءَ، ثُمَّ تَعُودُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، وَالشَّابُّ يَعُودُ شيخاً هرماً، كبيراً ضعيفاً، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَوْتُ، فَالسَّعِيدُ مَنْ كَانَ حله بعده إلى خير، وقوله تبارك وتعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَّبِّهِ} أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا، وَمَنْ هُوَ قَاسِي الْقَلْبِ بِعِيدٌ مِنَ الْحَقِّ؟ كقوله عزَّ وجلَّ: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ منها}؟ ولهذا قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} أَيْ فَلَا تَلِينُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَلَا تَخْشَعُ وَلَا تَعِي وَلَا تَفْهَمُ {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.