فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}، أَيْ حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة، فأخذهم من عذاب اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أُبْلِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ رَاحَةٍ وَانقَطَعَتْ آمَالُهُمْ وَرَجَاؤُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى نعمه على عباده بأن جَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ وَهِيَ الْعُقُولُ التي يذكرون بِهَا الْأَشْيَاءَ، وَيَعْتَبِرُونَ بِمَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الآيات الدالة على وحدانية الله، وَأَنَّهُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ لِمَا يَشَاءُ، وَقَوْلُهُ: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي ما أَقَلَّ شُكْرِكُمْ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عليكم، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ وَسُلْطَانِهِ الْقَاهِرِ، فِي بَرْئَةِ الْخَلِيقَةِ وَذَرْئِهِ لَهُمْ فِي سَائِرِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ والآخرين لميقات يوم معلوم، وَلِهَذَا قَالَ: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أَيْ يُحْيِي الرِّمَمَ وَيُمِيتُ الْأُمَمَ، {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أَيْ وَعَنْ أَمْرِهِ تَسْخِيرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْآخَرَ طَلَبًا حَثِيثًا، يَتَعَاقَبَانِ لَا يَفْتُرَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ بِزَمَانِ غَيْرِهِمَا كَقَوْلِهِ: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ الْقَمَرَ ولا الليل سابق النهار} الآية، وَقَوْلُهُ: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أَيْ أَفَلَيِسَ لَكُمْ عُقُولٌ تَدُلُّكُمْ عَلَى الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الَّذِي قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَخَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؟ ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ الَّذِينَ أَشْبَهُوا مَنْ
قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} يَعْنِي يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِمْ إِلَى الْبِلَى، {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَاّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} يعنون الْإِعَادَةَ مُحَالٌ إِنَّمَا يُخْبِرُ بِهَا مَنْ تَلَقَّاهَا عن كتب الأولين واختلافهم، وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله إِخْبَارًا عَنْهُمْ {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كرة خاسرة}، {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} الآيات.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.