حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
- ٢٧ - ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ اليوم والسوء عَلَى الكافرين
قال ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ} قال: هو النمروذ الذي بنى الصرح؛ وقال زيد بن أسلم: أول جبار كان النمروذ، وقال آخرون: بل هو بختنصر، وقال آخرون: هذا من الْمَثَلِ لِإِبْطَالِ مَا صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَأَشْرَكُوا فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ نوح عليه السلام: {ومكروا مكرا كبار} أَيِ احْتَالُوا فِي إِضْلَالِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ كَمَا يَقُولُ لَهُمْ أَتْبَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} الآية. وَقَوْلُهُ: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ} أَيِ اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تَعَالَى: {كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}، وَقَوْلُهُ: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب}، وقال الله ههنا: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أَيْ يُظْهِرُ فَضَائِحَهُمْ وَمَا كَانَتْ تُجِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ فَيَجْعَلُهُ علانية كقوله تعالى: {يَوْمَ تبلى السرآئر} أَيْ تَظْهَرُ وَتَشْتَهِرُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ". وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا
يُسِرُّونَهُ مِنَ الْمَكْرِ ويخزيهم الله على رؤوس الْخَلَائِقِ، وَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؟} تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ ينتصرون}، {فما له من قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَالَةُ: وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عَنِ الِاعْتِذَارِ حِينَ لَا فِرَارَ، {قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أَيِ الفضحية والعذاب محيط اليوم بِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَا يضره وما لا ينفعه.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.