للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأدى آشور أخادين ما تردد فيه أبوه، فاستعرض عضلاته مع مصر، وكانت مصر تمر حينذاك بفترة من فترت الشيخوخة السياسية والحربية بعد أن أدت دورها الحضاري المجيد قرونًا طويلة، وكانت تسيطر عليها فيما مر بنا "ص٢٨٨" أسرة جمعت دماؤها بين الدم المصري والدم النوبي، وولي عرشها حينذاك تهارقه الذي رددت قصص التوارة اسمه. وكانت الخلافات الداخلية قد فعلت فعلها فيها كما روى العبرانيون عن نبيهم إشعيا حين ينقل عن ربه: "أهيج مصريين على مصريين فيحارب رجل أخاه ورجل صاحبه، مدينة مدينة ومملكة مملكة"١.

نجح الآشوريون فيما رأينا في إضعاف حلفاء مصر بالشام ليفتوا في عضدها، وكانت أشد أولئك الأحلاف إخلاصًا مدينة صور التي روت النصوص أن حاكمها "بعلو" "بعل إيلي" أجاب على رسائل الملك الآشوري إجابة جافة، فشدد الآشوريون الحصار حولها، وحاولوا أن يمنعوا اتصالاتها البرية والبحرية٢ إلى أن يفرغوا من حليفته الكبرى، فنجحوا بالنسبة للأولى وطال أمرهم في الثانية. وقد ابتغى آشور أخادين أن يغزو مصر غزوًا مباشرًا؛ أملًا في تحطيم قوتها العسكرية، وطمعًا في ثرائها، وليقطع معونتها عن حلفائها السوريين الذين ما فتئوا يتطلعون إليها على الرغم من تجاوز الحظ عن مشاريعها الحربية أكثر من مرة. ولقد أسلفنا في بحثنا للتاريخ المصري ص٢٩٦ أن غزوه لمصر مر في مرحلتين، مرحلة بدأها عام ٦٧٤ق. م بلغ فيها الحدود المصرية الفلسطينية، وهنا روت المصادر البابلية أن جيشه هزم في معركة دموية بمصر٣، ثم ارتد عنها ليواجه حلفًا من السيكثيين والماذيين الذين هددوا الحدود الآشورية الشمالية الشرقية٤. ثم مرحلة ثانية بدأها عام ٦٧١ق. م واستعان فيها ببعض أعراب الصحراء على تذليل مشقة الطريق عبر سيناء والصحراء الشرقية، وكانت له معارك ضارية في الطرق وإزاء منف، كما كانت له سياسته في ترك الأمراء المحليين في مناصبهم بعد أن ظن رضاهم بسلطانه، ثم خرج من مصر بكنوز طائلة وأعداد كبيرة من الفنيين والمهنيين ليحرم بلدهم منهم وتستفيد بهم دولته، ولكنه لم يهنأ طويلًا بنصره، فثارت مصر ضده وعاونت ملكها تاهرقه على استرجاع سلطانه، فجن جنون آشور أخادين، واعتزم الخروج لمقاومة الثورة بنفسه لولا أن مشكلات وراثة عرشه شغلته عامًا كاملًا أعدم فيه عددًا كبيرًا من كبار دولته، ثم خرج بجيشه قاصدًا مصر ولكنه مات في الطريق وأفل جيشه عائدًا إلى وطنه. وتكفل بمواجهة المقاومة المصرية خلف آشور بانيبال، واستعان على مشروعه ضدها بقوات من الشام ونواحي الفرات خرجت تحت راية اثنين وعشرين ملكًا، على حد رواية نصوصه، واستعان بخبرتهم الملاحية وهاجم مصر من البر والبحر، وانتصر بهم على جيش تاهرقه، ولكن هذا لم يقض على المقاومة، فما لبثت حتى اشتدت كرة أخرى، وعاد آشور بانيبال إليها بجيشه للمرة الثانية وبلغ انتقامه في هذه المرة مداه ودمر طيبة كبرى عواصم العالم القديم، حوالي عام ٦٥٩ق. م "أما عن ظروف إجلاء الآشوريين عن مصر فتراجع عنها ص٢٩٧+، ص٣٠٠+"


١ إشعيا ١٩: ٢٠.
٢ Luckenbill. Op. Cit, Ii, ٥٥٤ F.
٣ See, Anet ٣٠٢.
٤ ديلابورت: المرجع السابق -ص٣١٦.

<<  <   >  >>