طريق أخرى أخرج الطبري١ من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم أن أباه قرأ {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم} الآية فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس فقال٢: يرحم الله أبا عبد الرحمن فذكر نحوه باختصار، وأخرجه من طريق ابن جريج٣ عن الزهري قال: قال ابن عباس: لما نزلت ضج المؤمنون ضجة فذكره مختصرا وقال فيه: إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا عن الوسوسة.
وأخرج الطبري٤ من طريق بيان عن حكيم بن جابر قال: لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} الآية إلى {الْمَصِير} قال له جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه. فسأل {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى آخر السورة يعني٥ فأجاب سؤاله.
وأخرج الطبري٦ من طريق السدي قال:[يوم] نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست أنفسهم وما عملوا فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: والله ما نملك الوسوسة فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها.
قلت: وأنكر بعضهم نسخها وقالوا: يؤاخذهم بها بأن يسألهم عنها يوم القيامة، وقيل غير ذلك، وليس من شرط هذا الكتاب٧.
١ "٦/ ١٠٨" "٦٤٦٢". ٢ في الأصل: قيل ووضع الناسخ عليها: كذا وفي الهامش كلمة ذهبت في التصوير كأنها "قال". ٣ "٦/ ١٣٠" "٦٥٠٣". ٤ "٦/ ١٢٩" "٦٥٠١" وتكلم عليه مخرجه وبين أنه مرسل. ٥ التوضيح من المؤلف. ٦ "٦/ ١١٢" "٦٤٧٩" وفي النقل اختصار، وما بين المعقوفين منه. ٧ انظر كلام المؤلف عن النسخ في "الفتح" "٨/ ٢٠٧" وأحال الشيخ شعيب الأرنئوط في هامش "الإحسان" "١/ ٣٥١" إلى "قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن" لمرعي الحنبلي "ص٧٦"، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس "ص٨٧-٨٨" وقال: "والمختار أن لفظ النسخ الوارد في الحديث لا يعني النسخ المصطلح عليه عند الأصوليين، وإن المقصود في الحديث أن الآية {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} نسخت الشدة التي اعترت الصحابة من فهم هذه الآية وبينت المقصود من الآية الأولى وهو أن الله يؤاخذ على خواطر النفس إذا كانت على سبيل العزم والتصميم على الفعل". قلت: وانظر "نواسخ القرآن" لابن الجوزي "ص٩٦-١٠٣".