إلى آخر القصيدة التي وصلت إلى الفضيل وهو في الحرم فلما قرأها لم يتمالك نفسه عن البكاء، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح (٢).
أيها المسلمون ومع هذه الخلال الكريمة وغيرها لابن المبارك لم ينس نصيبه من الدنيا، وما فهم الزهد قعودًا عن العمل ولا أن يكون كلاً على الآخرين، بل استغنى بعمله، وتجارته عن سؤال غيره، وحفظ عرضه، وتصدق على إخوانه، ولم ينس الفقراء من حوله، وحين قال له الفضيل: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا (٣).
وحق لعلم كابن المبارك أن يثني عليه العلماء والخلفاء وقد قال الخليفة الرشيد حين بلغه موت ابن المبارك:«مات سيد العلماء»(٤).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[الزمر: ٩].
(١) (تاريخ بغداد ١٠/ ١٦٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٩). (٢) (السير ٨/ ٣٦٤). (٣) (تاريخ بغداد ١٠/ ١٦٠). (٤) (تاريخ بغداد ١/ ١٦٣).