وقد تحقق لك أن من جعل الإيمان لنفسه ومستقرًا لها، وقطع طعمه من مال الغير وآثر ما يملكه على نفسه كان من المفلحين الفائزين بمباغيهم.
وفي جعل قوله:{ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} كناية عن قطع الطمع، إشارة إلى قطع ذلك الغريزي من سنخه قطعًا لو تكلف التماس أية حاجة كانت، ما وجد لها أثرًا، وفي تتميمه بقوله:{ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} بلوغ إلى الدرجة العليا في الحرية والفتوة، أي: قطعوا الطمع إشارة إلى قلع ذلك عما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم بما ملكوا، وأنشد في ذلك:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ..... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
قوله:({والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} عطف أيضًا على {المُهَاجِرِينَ})، فإن قلت: كيف وصف الأولون بالمهاجرة وابتغاء الفضل والنصرة والصدق، والأنصار بالرسوخ في الإيمان ومحبة الإيواء والسخاوة البالغة حدها، والفلاح في الآجل، واقتصر في مدح هؤلاء على قوله:{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا}؟