وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها، ويجوز أن يكون بياناً لقوله:(ابْتَلَى)، وتفسيراً له؛ فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والإسلام قبل ذلك في قوله:(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)
وكيف لا وقد اشتمل على بيانه أكرم البقاع، ودعائه لأفضل الخلق بتلاوة أشرف الكتب، وهو قوله تعالى:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)[البقرة: ١٢٩]، ونحوه قوله تعالى:(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) إلى قوله: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ)[النمل: ٩١ - ٩٢]، فعلى هذا أولى الوجوه في الآية: تقدير: اذكر، وجعل "قال" بياناً وإن أخره.
قوله:(ويجوز أن يكون بياناً لقوله: (ابْتَلَى))، والعامل في "إذ": اذكر، والضمير في "أتمهن" لإبراهيم عليه السلام، ويراد بالكلمات: ما ذكره من الإمام وغيرها إلى آخر الآيات، وإنما استقام أن يكون بياناً لأن ما بعد (قَالَ) إلى آخر (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) كالشرح والتفصيل لما أجمله في قوله: (بِكَلِمَاتٍ)، وصح أن يبتلى بها لما يتضمن كل واحد منها المشقة، قال القاضي: الابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء. تم كلامه.
وسميت كلمات لأنها أوامر أو في تأويلها، كما سمي قوله:(كُنْ فَيَكُونُ) كلمة، وقد سمى الله تعالى قوله:(إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي) كلمة بقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)[الزخرف: ٢٦ - ٢٨].
الراغب: الكلمات قد تقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها، فقوله:(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)[الأنعام: ١١٥] أي: قضيته وحكمه، وقال:(لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي)[الكهف: ١٠٩] للمعاني التي يبرزها بالكلمات، ولم يرد