يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه؛ فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى "قبلته عنه": عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب؛ بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود، لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب، وإن كان فيه.
وروى محيي السنة عن الكسائي نحو ما ذكره المصنف، ومما يقوي أنه مرفوع: عطف قوله: {ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} عليه، وهو مرفوع.
قوله:(والعزم على أن لا يعاود، لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب): أي: يجعلهما غرضًا في عدم المعاودة.
قوله:(وإن كان فيه): أي: في المرجوع عنه أو الواجب (لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه): قيل: في قوله: "لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب"ن وقوله: "أن يرجع عن القبيح": إشارة إلى مذهبه؛ لأن أكثرهم قالوا: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض غير صحيحة، قال أبو هاشم: لو تاب عن ذلك القبيح لكونه قبيحًا وجب أن يتوب عن كل القبائح، وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه، بل لغرض آخر لم تصح توبته. وعند أهل السنة: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض صحيحة.
وقال الشيخ أبو عبد الله الأنصاري:"التوبة ثلاثة أشياء: الندم والاعتذار والإقلاع".
وقلت: الندم: إنما يكون على ما فات في الزمان الماضي، فيرجع عنه بالقلب، لأن التوبة سعي من مساعي القلب، وهو تنزيهه عن القبائح، وإليه الإشارة بقوله:"أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما".