وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة. {كَذَبَ عَلَى اللَّهِ}: افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه، {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ}: بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {إِذْ جاءَهُ}: فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون. {مَثْوىً لِلْكافِرِينَ}: أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في {لِلْكافِرِينَ} إشارة إليهم.
{وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ
وإليه الإشارة بقوله: {إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ} و {يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} فتحتج عليهم أنت بأنك بلغت فكذبوا، واجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، وأما اللاحق فقوله:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} وقوله: {وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ}، وإليه الإشارة بقوله:" وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة"، وقوله بعده:" {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ} بالذي جاء به محمد صلوات الله عليه" فاجأه بالتكذيب، والذي جاء بالصدق: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق به.
قوله:(وأراد به إياه ومن تبعه)، يعني: جيء بقوله: {وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} على الإفراد، ثم حمل عليه:{أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وحكم بقوله:{لَهُمْ ما يَشاؤُنَ}، ولا بد من التأويل وأن يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم، وأن مجيئه بالصدق وتصديقه كمجيئهم به وتصديقهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، ونجوه قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}[البقرة: ٨٧] أي: موسى وقومه، بدليل قوله:{لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.