ومثل ذلك الإنزال (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) أى: أنزلناه مصدّقًا لسائر الكتب السماوية، تحقيقًا لقوله:(آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم). وقيل: وكما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) هم عبد الله بن
الكتابِ بما يُحدِّثُونَكُم عن الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا:{آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا}[البقرة: ١٣٦]))؛ لأنَّ الله أخبرَ بأنهَّم كَتَبوا بأيديهم وقالوا: هذه من عندِ الله.
قوله:(وكما أنزَلْنا الكُتُبَ إلى مَنْ كان قَبلَكَ)، يعني: أنَّ ((الكافَ)) منصوبُ المَحَلِّ على المصدر، والمشارُ إليه بـ ((ذلك)): إمّا ما دلَّ عليه قولُه: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}، وهو المرادُ من قوله:((تحقيقًا لقوله: {آمَنَّا})) و ((تحقيقًا)) مفعولٌ له لمقدَّرٍ؛ أي: أشار بذلك تَحقيقًا له، أو المُشارُ إليه ما في الذِّهْنِ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ المَعلُومِ الذي أُنزل على الأنبياء من قَبلِكَ أَنزلْنا إليك.
والمِثْلُ على الوجه الثاني: بمعنى النَّظيرِ والشَّبيهِ، وعلى الأوَّل: مُستعارٌ للصِّفة العَجيبةِ الشَّانِ. والفاءُ في ((فالذين آتيناهُم)) تفصيليَّةٌ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ العَجيبِ الشَّأنِ الداعي إلى الإيمان بجميع الكُتبِ المنزَّلَةِ وإلى التَّوحيد أَنزَلْناه، ثُمَّ النّاسُ مع ذلك تفرَّقوا فِرَقًا أربعًا؛ لأنَّ المبعوثَ إليهم إمّا أهلُ الكتابِ أو المشركون، فقولُه:{فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} المرادُ به بعضُ مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب. وقولُه:{وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ} هم بعضُ المشركينَ. وقولُه:{وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ} مُؤذِنٌ بأنَّهم الفريقانِ الباقيانِ من