في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياى، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أى بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلنى من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم. أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)] الأعراف: ٥٩ [. (بِأَعْيُنِنا) بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظا يكلئونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا
قوله:(في نُصرته إهلاكهم)، يعني:"انصُرني": مجازٌ عن إهلاكهم؛ لأن في نُصرته إهلاكهم، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب.
قوله:(أبدلني من غم تكذيبهم، سلوة النُّصرة)، أي:"انصُرني" متضمنٌ لمعنى: أبدلني، باستعانة الباء، ولهذا أوقع النصرة مفعولاً به مع حذف المضاف.
قوله:(أو انصُرني بإنجاز ما وعدتهم)، فعلى هذا متعلقُ "انصُرني" محذوفٌ، والباءُ سببيةٌ، كما في الوجه الأول. قال صاحب "الفرائد": يكفي أن يقال: انصرني بنزول العذاب عليهم بسبب تكذيبهم إياي.
قوله:(وهو ما كذبوه فيه)، يعني: دل إضافة (كَذَّبُوهُ) على تكذيب معهود كذبوه، وهو ما عُلم في سورة الأعراف من قوله:(فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)[الأعراف: ٦٤] عندما قال عليه السلام: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)[الأعراف: ٥٩] إلى آخرها، وعُلمَ من هذا البيان أن الفاء في قوله تعالى:(فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) فاءٌ فصيحةٌ، أي: فكذبوه فقال: (رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فأوحينا إليه: (أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) إلى قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) فامتثل مقتضى ما أوحيناه فأنجيناه والذين معه.
قوله:((بِأَعْيُنِنَا) بحفظنا وكلاءتنا)، يعني: استعير لهذه الكلمة تلك الكلمة؛ ليؤذن بأنه عليه السلام كان بحفظ من الله وكلاءةٍ، بحيث يقدرُ منه أنه تعالى جرد من نفسه المقدسة المبرأة: عن كل ما لا يليق بجلالته جماعةً حفاظاً يكلؤونه بعيونهم، كما تقول: كان معك من زيدٍ أسدٌ.