القوم، فلو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السماوات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة، وفي ذلك إثباتُ إلهٍ مع الله تعالى، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك؛ لأن المعنى: لو كان فيهما آلهةٌ غير الله لفسدتا. والوجه الثاني: أن (آلِهَةٌ) هنا نكرةٌ، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يستثن منه عند جماعةٍ من المحققين؛ لأنه لا عموم له بحيث يدخلُ فيه المستثنى لولا الاستثناء.
وإلى هذا يشير ابن الحاجب بقوله: لو كان معنى قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) معنى الاستثناء، لجاز أن يقول: إلا الله بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأن الاستثناء إذا سُكتَ عنه دخل ما بعده فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تقولُ: جاءني رجالٌ إلا زيداً؟ فكذلك لا يستقيم أن تقول: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا.
قوله:(وفيه دلالة على أمرين) إلى آخره وقال صاحب "الفرائد": قوله: "وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحداً"، منظورٌ فيه من وجهين، أحدهما: أن من نفي الجماعة لا يلزم منه نفي الاثنين ولا الواحد، فكيف يلزم من نفي الآلهة وجوب التدبير للواحد؟ والثاني: لا يلزم من هذا التركيب كونه تعالى مدبراً، وإنما يلزم أن يكون منتفياً، كما انتفت الآلهة.
والجواب: أنه لما تقرر أن هذه الآية متصلة بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) وأن قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) إنكارٌ عليهم، وتسجيلٌ على قلة نظرهم في تلك الدلائل، كان قوله تعالى:(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) برهاناً على تلك الدعوى، فالرد واردٌ على اتخاذهم الآلهة، فلايعمل بالمفهوم، كما في قوله تعالى:(لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً)[آل عمران: ١٣٠]، ولأنه قد سبق أن المراد بالفساد فسادُ أمر المكلفين وعدم تمكنهم منا لعبادة التي ما خلقت السماوات والأرض إلا لأجلها،