لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب؛ لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله:(وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ)، والمعنى: لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به. وأَماناتِكُمْ فيما بينكم بأن لا تحفظوها، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعنى: أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.
قوله:(خان الدلو الكرب): الكرب: حبل قصير يوصل بالرشاء ويلوى على العراقي سُمي كرباً لأنه يقرب من الدلو. الأساس:"خان الدلو الرشاء: إذا انقطع. قال ذو الرمة:
كأنها دلو بئر جد ماتحها … حتى إذا ما رآها خانها الكرب"
قوله:(وخان المشتار السبب): المشتار: الذي يجني العسل من الكوارة، والسبب: حبل يتوصل به إلى اجتناء العسل.
قولهم:(وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح): يريد أن: (تَعْلَمُونَ) -في (أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) - إما مفعوله مقدر منوي بقرينة السياق، وهو أنكم تخونون وأنتم تعلمون تبعة ذلك، أو غير منوي بمنزلة اللازم، وهو المراد من قوله:"وأنتم علماء"، فقوله:"تعلمون قُبح القبيح وحسن الحسن": مقدر من جهة الالتزام، لا أنه مفعول منوي، يعني: إذا كنتم علماء من أهل المعرفة فلم تباشرونه؟ !