فكذبوهم وسموهم سحرةً، أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهةً، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات:(هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)[الأحقاف: ٧] واتخذه بعضهم وأمه إلهين.
(أَيَّدْتُكَ): قويتك. وقرئ (أيدتك) على: أفعلتك. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أو ضار الآثام، والدليل عليه قوله تعالى:(تُكَلِّمُ النَّاسَ) و (فِي الْمَهْدِ) في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً وَكَهْلًا، إلا أن (في المهد) فيه دليلٌ على حدّ من الطفولة. وقيل روح القدس: جبريل صلوات الله عليه أيد به لتثبيت الحجة.
فإن قلت: ما معنى قوله: (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)؟ قلت:
الجواب جواب رد لا قبول، ولهذا قال:"والمعنى: أنه توبيخ للكافرين يومئذ"، وختم الآية بقوله تعالى:{فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}، وهو الوجه الأول من الوجوه المذكورة في جواب سؤاله:"كيف يقولون: {لا عِلْمَ لَنَا} وقد علموا؟ " ألا ترى كيف بين معنى التمييز بقوله: "فكذبوهم وسموهم سحرة، أو جاوزوا حد التصديق"، حيث ميز احتمال السؤال من التصديق والتكذيب بأحدهما وهو التكذيب؟
قوله:(أو جاوزوا حد التصديق): عطف على "فكذبوهم"، وقوله:"كما قال بعض بني إسرائيل" إلى آخره، نشر لهذين المعنيين.
قوله:(والدليل عليه) أي: على أن المراد بروح القدس: الكلام: إيقاع قوله: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} إما بياناً للجملة الأولى أو استئنافاً.
قوله:(إلا أن {فِي الْمَهْدِ}) يعني كان المراد من قوله: {فِي الْمَهْدِ}: حال الطفولية، لكن في تخصيص ذكر المهد تتميم ومبالغة، ولهذا نكر قوله:"على حد من الطفولة"، ولو قيل: طفلاً، لم تكن تلك المبالغة؛ لأن الطفولية تنتهي وقت البلوغ لقوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ}[النور: ٥٩].