ووجهُ خامس، وهو أن إطلاقه يَنتظم إعمالَ المصدر عمل فعل المفعول، كما اقتضى إعمالَه عملَ الفعل المبنيَّ للفاعل، إذْ لم يَشترط في هذا العمل إلا تقديرَ (١) المصدر بـ (أنْ) أو (ما) والفعل، ولم يقيَّد الفعل. لكن النحويين أبَوْا ذلك، لأن قَصْد البناء للمفعول في الفعل إنما هو بِنْية الفعل طالبة له، فإذا قُصد إلى تَرْك ذكره غُيِّرت البِنْية، والمصدرُ لا ضرورةَ تدعو إلى ذكر الفاعل معه، لجواز حذفه من اللفظ، وعدم اعتباره جملة، فكان من حَقِّه أن يُخرج عن إطلاقه التقديرَ بالحرف وفعْلِ المفعول.
وقد يجاب عن ذلك بأن المسألة مختلَف فيها، فطائفةٌ تمنع ذلك، منهم الخِدَبُّ (٢)، وطائفة تُجيز، ومنهم السِّيرافي وابن خروف.
والدليلُ على الجواز السماعُ في قولهم: أعجبني قراءةٌ في الحَمَّامِ القرآنُ. وعلى ذلك تقول: أعجبني أكلُ الخبزِ وشربُ الماءِ، وتُضيف المصدرَ إليه، على اعتقاد معنى الرفع. وبذلك قَدَّر سيبويه قولَهم: عجبتُ منِ إيقاع أنْيابِه بعضِها فوقَ بعضٍ، أي: من أن أوُقِعَتْ (٣). وحمله جماعة على ذلك.
فإذا ثبت هذا فلا بُعْدَ في أن يذهب الناظم إلى هذا، وهو رأيه في غيره أيضا.
ثم قال:((ولاِسْمِ مَصْدرٍ عَمَلٌ))
(١) إلى هنا انتهى السقط من نسخة (س). (٢) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي، نحوي مشهور، حافظ بارع، اشتهر بتدريس كتاب سيبويه، وله عليه طُرر مدوَّنة مشهورة، اعتمدها تلميذه ابن خروف في شرحه، وله تعليق على الإيضاح، وغير ذلك. توفى في عشر الثمانين وخمسمائة. بغية الوعاة ١/ ٨٢. (٣) الكتاب ١/ ١٥٤.