ومن ذلك أيضا باب ((كان)) كقولك: كان إكرامي زيدً حسناً. وباب ((ما)) نحو: ما إكرامي زيداً/ مفقودً. ... ٤٣٣
وإلى ذلك فإن سيبويه لم يلتزم التقدير بواحدٍ من الحرفين، بل قَدَّر بـ (أنَّ) الثقيلة، فصار دليلاً على اطِّراح الحرفين عن حكم الضرورة التي ادُّعَيِتْ أولا، فإذاً اشتراطُ الناظم إخلال.
والجواب أن ما قال الناظم صحيح، ولا يَلزم ما اعتُرِض به. أما باب ((كان)) و ((إنَّ)) و ((لا)) فتقدير (أَنْ) والفعل سائغ في الأصل.
والدليل على ذلك أنك إذا أزلتها صح التقدير، لكن العرب التَزمت ألاَّ تُولي الحرفَ المصدري هذه العوامل، كما لا تُوليها (أنَّ) الثقيلة، فكما لا تقول: كان أنَّكَ قائمٌ حسناً، كذلك لا تقول: كان أنْ قمتَ، أو أنْ تقومَ حسنٌ، ولا أنَّ أَنْ تقومَ حسنٌ، ولا ما أشبه ذلك. فإن أردت ذلك أخَّرْتَ الحرف المصدري فقلت: كان حسناً أن تقومَ، أو إنَّ عندي أن تقومَ، كما تقول: كان عندي أنَّكَ قائمٌ، أو كان حسناً أنَّكَ قائمٌ.
ونظير ذلك في قولهم في (رَأَيْتُ) أنشد سيبويه لابن حَسَّان (١):
إنِي رأَيْتُ من المَكَارِمِ حَسْبُكُمْ
أنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وتَشْبَعُوا
ولو قال: إني رأيتُ أن تَلْبَسوا حَسْبُكم لم يجز، بخلاف ما إذا أتى بالمصدر.
فالحاصل أن مانع الموضع عَرَضَ في هذه المسائل، فلم يصح
(١) هذه الكلمة ساقطة من الأصل، و (ت) ومستدركة على حاشية الأصل. ينظر: الكتاب ٣/ ١٥٣، الهمع ٤/ ٩٢.