ويَصْرِفُكَ ويمنعُك (عَمَّا له قَصَدْتَ) أي: عن تحصيل المطلوب الذي قصدتَه حال كون ذلك المقصودِ والمطلوب لك (من التفهُّمِ) والتفقُّهِ (فيها) أي: في معاني تلك الأخبار منطوقًا ومفهومًا (والاستنباطِ منها) أي: استنباطِ الأحكام الفقهية واستخراجِها منها (١): مُعَلِّلَةٌ لعدم التكرار.
والزعمُ في قوله:(زَعَمْتَ) بمعنى الاعتقاد والقول من غير تقييدِ أَنَّ هذا القولَ غَيرُ مَرْضِي؛ لأن الزعمَ في العُرْف: القولُ الفاسدُ أو القولُ بلا دليلٍ، ومن استعماله في القول الصحيح قولُ ضِمام بن ثعلبة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم:(زَعَمَ رسولُك) أي: قال، وقد أَكْثَرَ سيبويه في "الكتاب" من قوله: زعم الخليلُ كذا في أشياءَ يرتضيها.
= قال، مُستعملًا في الحق المُحَقَّقِ وفي غيرِه، وقد نقل مصداقَ ذلك أبو عُمر الزاهد في "شرحه للفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب عن العلماء باللُّغة من الكوفيين والبصريين، قال أبو العباس: ومنه قولُ الفقهاء: زَعَمَ مالكٌ، زَعَمَ الشافعيُّ، قال: معناه كُلُّه: قال، والله أعلم). "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٤٣). وقال الإِمام الأُبّي: (الزُّعمُ بالضم -أي: بضم الزاي المعجمة-: اسمٌ، وبالفتح: مصدرُ زَعَمَ إِذا قال قولًا حقًّا أو كذبًا أو قولًا غيرَ موثوقٍ به. فمن الأول: حديث: "زعم جبريل"، ومن الثاني: قولُه تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ومن الثالث: بيتُ الأعشى: ونُبِّئتُ قيسًا ولم أبلُه ... كما زعموا خيرَ أهل اليمن فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم، وأَبَى أن يُثيبه. وأمَّا حديثُ: "بئس مَطِيَّةُ الرجل زَعَمُوا" فَجَعَلَهُ ابنُ عطية من الثاني. واختُلف في قول سيبويه: زَعَمَ الخليلُ، فَجَعَلَهُ النوويُّ من الأول، وجَعَلهُ ابنُ عطية من الثاني). "إِكمال إِكمال المعلم" (١/ ٥٥). (١) قال الإِمام عبد الحق الإِشبيلي رحمه الله تعالى في "الجمع بين الصحيحين" (١/ ٦ - ٧) ما يلي: (إِذِ التفقُّهُ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السبيلُ التي تشرق سناها، والثمرةُ التي يُستشفى بجناها، ومَنْ لم تَسْتنِر له تلك السبيل، ولا دَلَّ به ذلك الدليل. . فلم يحصل من العلم بالإِضافة إلا على النَّزْر اليسير والشيء القليل).