(ثُمَّ تَلَا) أي قرأ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- توضيحًا لا ذكره بذكر مثال له، لا للاستدلال به على الخصم المذكور، فإنه لا يدلّ عليه.
(هَذِهِ الْآيَةَ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}[الزخرف: ٥٨]) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية أحمد، والترمذيّ:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}[الزخرف: ٥٨]. وقوله:{مَا ضَرَبُوهُ} أي هذا المثل {لَكَ إِلَّا جَدَلًا} أي إلا لمخاصمتك، وإيذائك بالباطل، لا لطلب الحقّ.
[فإن قلت]: قريشٌ ما كانوا على الهدى، فلا يصلح ذكرهم مثالًا.
[قلت]: نُزّل تمكّنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث دفعوا بعد ذلك الحقّ بالباطل، وقرّروا الباطل بقولهم:{أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يريدون أنهم يعبدون الملائكة، وهم خير من عيسى، وقد عبده النصارى، فحيث صحّ لهم عبادته صحّ لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالًا لما فيه الكلام.
وقيل: الأصحّ في معنى الآية أن عبد الله بن الزِّبَعرى قبل إسلامه جادل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} الآية [الأنبياء: ٩٨]، آالهتنا أي الأصنام خير عندك أم عيسى؟، فإن كان في النار، فلتكن آلهتنا معه.
والجواب عن هذه الشبهة بوجهين: الأول: أن "ما" لغير ذوي العقول، فالإشكال نشأ عن الجهل باللغة العربية. والثاني: أن عيسى والملائكة خُصّوا عن هؤلاء بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}[الأنبياء: ١٠١].
[تنبيه]: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وكأن السبب في ذلك ما ذكره محمد بن