هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- هم قوم يُعادون العلماء، ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى"، قال: فقلت -جُعِلتُ فداك با رسول الله-: "كيف ذاك؟ قال: يُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض"، قال: قلت -جُعلتُ فداك يا رسول الله-: وكيف يقولون؟ قال:"يجعلون إبليس عَدلًا لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس" -قال-: "فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة"، قال:"فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال، أولئك زنادقة هذه الأمة ... " وذكر الحديث.
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن مجالسة أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال عز وجل:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا} الآية [الأنعام: ٦٨]، ثم بَيّن في "سورة النساء"، وهي مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف، ما أمر الله به فقال:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} الآية [االنساء: ١٤٠]، فألحق من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل، والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا:{إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال: يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحق بهم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.