وقد تعقب القرطبي كلام الخطابي، لكن نسبه إلى ابن قتيبة فقط، قال ابن قتيبة بدل "تتوضأ" شوهاء، ثم نقل أن الشوهاء تُطلَق على القبيحة والحسناء.
قال القرطبيّ: ووضوء هذه المرأة في الجنّة إنما هو لتزداد حُسْنًا ونورًا، لا لتزيل وَسَخًا، ولا قَذَرًا؛ إذ الجنة مُنّزَّهة عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر:"أمشاطهم الذهب، ومَجَامِرُهم الأَلُوّة"، متّفقٌ عليه (١).
وقال في "الفتح"(٢): وقد ترجم عليه البخاري في "كتاب التعبير"- "باب الوضوء في المنام"، فبطل ما تخيله الخطابي. انتهى.
وقال الكرمانيّ: قوله: "تتوضأ" من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، ويحتمل أن يكون من الوضوء، ولا يَمنع من ذلك كون الجنّة ليست دار تكليف؛ لجواز أن يكون على غير التكليف.
وقال الحافظ في موضع آخر من "الفتح"(٣): ويحتمل أن لا يراد وقوع الوضوء منها حقيقة؛ لكونه منامًا، فيكون مثالًا لحالة المرأة المذكور، وقد ثبت أنها أم سليم، وكانت في قيد الحياة حينئذ، فرآها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الجنّة إلى جانب قصر عمر -رضي الله عنه-، فيكون تعبيره بأنها من أهل الجنّة؛ لقول الجمهور من أهل التعبير: إن من رأى أنه دخل الجنة أنه يدخلها، فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق -صلى الله عليه وسلم-، وأما وضوؤها، فيُعبّر بنظافتها حسّا ومعنى، وطهارتها جسمًا وروحًا، وأما كونها إلى جانب قصر عمر -رضي الله عنه-، ففيه إشارة إلى أنها تُدرك خلافته، وكان كذلك.
ولا يُعارض هذا ما ثبت من أن رؤيا الأنبياء حقّ، والاستدلال على ذلك بغيرة
(١) "المفهم" ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨. (٢) "الفتح" ٧/ ٥٧ - ٥٨. (٣) هو في "كتاب التعبير" ١٢/ ٥١٩ - ٥٢٠ الحديث رقم (٧٠٢٣ - ٧٠٢٤).