نفوس صحابة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كما أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- اتخذ في سبيلها من التدابير التشريعية والتنظيمية ما لم يسبق لمثله من قبل، ولعل وثيقة الموادعة التي كتبها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيها اليهود؛ تعطي دلالة حضارية بعيدة المدى وعميقة المعنى، ذلك أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أرسى دعائم الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وبين حقوقها ودعائمها، وأنها إحدى مقومات تميز الأمة الإسلامية، وقد ورد نص الوثيقة:(في كل كتب السيرة كاملة، وفي كثير من كتب السنة النبوية مجزأة)(١)، واستشهد بها بعض الباحثين في دراسة المجتمع الإسلامي، واستخلص منها حقائق كبرى في قيام الأمة الإسلامية المتميزة (٢)، منها:
- (تأكيد وحدة الأمة الإسلامية وترابطها وتميزها من دون الناس بإيمانها الصحيح وإسلامها الواعي. . . وبأنها الأمة التي تحمل تبعة الدعوة، دعوة البشرية كلها إلى هذا الدين لتأكيد أنها خير أمة أخرجت للناس. . . وإعلاء عنصر الإيمان ورفع شأن المؤمنين. . . وأن المؤمن أعلى عناصر الوجود قدرًا وأرفعها ذكرًا عند اللَّه. . .)(٣).
- (تكافل المسلمين وتكاتفهم في الحرب. . . (وأن المؤمنين لا يتركون مفدحًا بينهم)(٤) والمفدح: المثقل بالدين والكثير العيال، فهذا يرعاه إخوانه المسلمون ولا يتركونه لدين يفدحه ولا لنفقة عيال تعجزه،
(١) عبد رب النبي علي أبو السعود: الأخوة الإسلامية: (٥٢)، مرجع سابق. (٢) انظر: المرجع السابق نفسه: ص (٥٢، ٥٤)، وانظر: ص: (٤٦ - ٥٠)، المرجع السابق نفسه. (٣) المرجع السابق نفسه. (٤) ابن هشام: السيرة النبوية: (٢/ ١٤٤)، مرجع سابق. وانظر: مهدي رزق اللَّه أحمد: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (دراسة تحليلية) ص: (٣٠٦)، الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م)، من مطبوعات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية - الرياض.