قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْفَهْمِ شَيْئًا مَكْتُوبًا.
قَوْلُهُ: (الصَّحِيفَةَ) أَيِ: الْوَرَقَةَ الْمَكْتُوبَةَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ.
قَوْلُهُ: (الْعَقْلُ) أَيِ: الدِّيَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ فِيهَا الْإِبِلَ وَيَرْبِطُونَهَا بِفِنَاءِ دَارِ الْمَقْتُولِ بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْلُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَقْلِ الدِّيَاتُ وَالْمُرَادُ أَحْكَامُهَا وَمَقَادِيرُهَا وَأَصْنَافُهَا.
قَوْلُهُ: (وَفِكَاكُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهَا حُكْمَ تَخْلِيصِ الْأَسِيرِ مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيبَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْتَلُ) بِضَمِّ اللَّامِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: وَأَنْ لَا يُقْتَلَ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا أَيِ الصَّحِيفَةِ حُكْمُ الْعَقْلِ وَحُكْمُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ. فَإِذَا فِيهَا: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ. . . الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا. وَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبَةً فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. . . الْحَدِيثَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ: فَإِذَا فِيهَا: الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ. الْحَدِيثَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الصَّحِيفَةَ كَانَتْ وَاحِدَةً وَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِيهَا، فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّوَاة عَنْهُ مَا حَفِظَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَتَادَةُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَبَيَّنَ أَيْضًا السَّبَبَ فِي سُؤَالِهِمْ لِعَلِيٍّ ﵁ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ فَيُقَالُ: قَدْ فَعَلْنَاهُ. فَيَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَرُ: هَذَا الَّذِي تَقُولُ: أَهُوَ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ؟ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوْ: الْفِيلَ، شك أَبُو عَبْد اللَّهِ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِلَّا الْإِذْخِرَ إِلَّا الْإِذْخِرَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.
[الحديث ١١٢ - طرفاه في: ٦٨٨٠، ٢٤٣٤]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُكَنَّى أَبَا مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.