. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[إحكام الأحكام]
الْمَذْكُورَاتِ - أَعْنِي مَفْهُومَ الْعَدَدِ - وَذَكَرَ غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا أَيْضًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْدِيَةَ بِمَعْنَى الْأَذَى إلَى كُلِّ مُؤْذٍ: قَوِيٌّ، بِالْإِضَافَةِ إلَى تَصَرُّفِ الْقَائِسِينَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَاءِ بِالتَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ: فَفِيهِ إبْطَالُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ إيمَاءُ النَّصِّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ: أَنْ يَتَقَيَّدَ الْحُكْمُ بِهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، فَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ، وَثَبَتَ الْحُكْمُ حَيْثُ تُعْدَمُ: بَطَلَ تَأْثِيرُهَا بِخُصُوصِهَا فِي الْحُكْمِ، حَيْثُ ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَ انْتِفَائِهَا، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِهَا.
الْبَحْثُ الرَّابِعُ: الْقَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا جَاءَ مَعَهَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ - مِنْ ذِكْرِ الْحَيَّةِ - وَفُوا بِمُقْتَضَى مَفْهُومِ الْعَدَدِ، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْدِيَةِ إلَى غَيْرِهَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ فِي تَخْصِيصِ الْمَذْكُورَاتِ بِالذِّكْرِ، وَقَالَ مَنْ عَلَّلَ بِالْأَذَى: إنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ بِهَا عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا، وَأَنْوَاعُ الْأَذَى مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَيَكُونُ ذِكْرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا مُنَبِّهًا عَلَى جَوَازِ قَتْلِ مَا فِيهِ ذَلِكَ النَّوْعُ، فَنَبَّهَ بِالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ عَلَى مَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْأَذَى بِاللَّسْعِ، كَالْبُرْغُوثِ مَثَلًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَنَبَّهَ بِالْفَأْرَةِ عَلَى مَا أَذَاهُ بِالنَّقْبِ وَالتَّقْرِيضِ، كَابْنِ عِرْسٍ، وَنَبَّهَ بِالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ عَلَى مَا أَذَاهُ بِالِاخْتِطَافِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِ، وَنَبَّهَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ عَلَى كُلِّ عَادٍ بِالْعَقْرِ وَالِافْتِرَاسِ بِطَبْعِهِ، كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالتَّعْدِيَةِ إلَى كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ: فَقَدْ أَحَالُوا التَّخْصِيصَ فِي الذِّكْرِ بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ عَلَى الْغَالِبِ، فَإِنَّهَا الْمُلَابِسَاتُ لِلنَّاسِ وَالْمُخَالِطَاتُ فِي الدُّورِ، بِحَيْثُ يَعُمُّ أَذَاهَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّخْصِيصِ، وَالتَّخْصِيصُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ إذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، إلَّا أَنَّ خُصُومَهُمْ جَعَلُوا هَذَا الْمَعْنَى مُعْتَرَضًا عَلَيْهِمْ فِي تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى بَقِيَّةِ السِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ إلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ قِيَاسًا شَرْطُهُ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ أَوْ رُجْحَانُهُ. أَمَّا إذَا انْفَرَدَ الْأَصْلُ بِزِيَادَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعْتَبَرَ، فَلَا إلْحَاقَ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَامَّةَ الْأَذَى - كَمَا ذَكَرْتُمْ - نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِبَاحَةِ قَتْلِهَا، لِعُمُومِ ضَرَرِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا لَا يَعُمُّ ضَرَرُهُ مِمَّا لَا يُخَالِطُ فِي الْمَنَازِلِ، فَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ، كَمَا دَعَتْ إلَى إبَاحَةِ قَتْلِ مَا يُخَالِطُ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.