ومن هذه المصادر استمدت المواد التي نقلها إلى صلب التاريخ الإسلامي مصنفون مثل أبي حنيفة الدينورى المتوفى سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م) وابن واضح اليعقوبى المتوفى سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م) ومع دلك فكتاب اليعقوبى من الإفاضة بحيث يشمل سكان الشمال وأهل الصين، ولذلك فهو إلى موسوعة في التأريخ أقرب منه إلى كتاب في التأريخ العام. ومن هذا القبيل كتاب المعارف للراوية ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) وما وصل إلينا من المؤلفات القرن الثاني في التاريخ لحمزة الأصفهانى المتوفى حوالي عام ٣٦٠ هـ (٩٧٠ م) والمسعودى المتوفى حوالي عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) والحق إن المسعودى من أكبر مؤرخى العرب، ولكن فقدان أكبر مصنفاته- التي ليست كتبه الباقية إلا نتفًا منها- يجعل من المتعذر تكوين فكرة صادقة عن النهج الذي اتبعه فيها.
ويتضح جليًا من مثل هذه المؤلفات أن مادة عقلية جديدة قد دخلت على التأريخ العربي، وفي وسعنا أن نقول إن هذه المادة هي الرغبة في المعرفة لذاتها، ومما له دلالته أن كتابًا مثل اليعقوبى والمسعودى لم يكونوا مؤرخين فحسب بل كانوا من الجغرافيين أيضًا، وقد حصلوا معارفهم الجغرافية من الرحلات البعيدة بوجه خاص، ولا مراء في أننا واجدون في هذا التطور أثر من الثقافة الهيلينية المتأخرة خلال القرنين الثاني والثالث. في كتابه التأريخ. ولكن الصلة التي نشات بين التأريخ وبين تقويم البلدان قد أبقى عليها مؤلفون متعاقبون إلى العصر العثمانى.
على أن هذه المواد الدخيلة لا وجود لها -إذا استثنينا التأريخ الفارسى- في المؤلف الذي تبلغ فيه الرواية التأريخية القديمة أوجها، ألا وهو "تاريخ الأمم والملوك" الشهير لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ (٩٢٣ م). ذلك أن الطبري كان بادئ ذي بدء محدثًا، وقد رمى في تأريخه إلى تكميل تفسيره للقرآن وذلك بعرضه الروايات التاريخية الإسلامية بنفس الإفاضة والنقد النزيه اللذين توخاهما في مؤلفه السابق. والكتاب، كما وصل إلينا، واضح الإيجاز بالنسبة إلى