ويحصل له ثانيًا وبالعرَض (١) مِنْ شرف الدنيا ما يَصغُر عنده كلُّ شرف، ويتقاصرُ دونه كلُّ مجد، ويتضاءلُ لديه كلُّ فَخر، وإنَّ مَنْ فهم مقدارَ ما في العلوم منَ العلوِّ، كان عند نفسه أعزَّ قدرًا وأعلى مَحِلًّا، وأجلَّ رتبةً من الملوك، وإن كان متضايَقَ المعيشة، يركبُ نعليه، ويَلبَسُ طِمرَيه (٢).
• وقلتُ في هذا المعنى من أبيات:
مَرحَ الأغرِّ بجانب الميدانِ … قد كنتُ ذا طمرين أمرحُ في العُلا
أو خاملًا فأريدَ شُهرَةَ شاني (٣) … ما كنتُ مضطهَدًا فأطلُبَ رفعةً
فاحرص أيها الطالبُ على أن تكون من أهل الطبقة الأولى؛ فإنك إذا ترقَّيتَ من البدايةِ التصوُّرية إلى العِلَّةِ الغائية (٤) التي هي أولُ الفكر، وآخر العمل، كنتَ فَرْدَ العالَم، وواحدَ الدهر، وقريعَ الناس، وفخرَ العصر، ورئيسَ القَرْن.
وأيُّ شرفٍ يُسامي شرفَك، أو فخرٍ يُداني فخرَك، وأنت تأخذُ دينَك عن اللَّهِ وعن رسوله ﷺ، لا تقلِّدُ في ذلك أحدًا، ولا تقتدي بقولِ رجل، ولا تقفُ عند رأيٍ، ولا تَخضعُ لغير الدليل، ولا تُعوِّلُ على غير النقد (٥)؟!.
هذه واللَّهِ رتبةٌ تسمو على السماء، ومنزلةٌ تتقاصرُ عندها النجوم؛ فكيف بك إذا كنتَ مع هذه المَزِيَّة مَرجِعًا في دين اللَّه، مَلجَأً لعبادِ اللَّه،