للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال في " زاد المعاد " ١/ ٢١٦ - ٢١٩: «فالحديث والله أعلم قد وقع فيه وهم من بعض الرواة، فإنَّ أوله يخالف آخره، فإنَّه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإنَّ البعير إنَّما يضع يديه أولاً، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك، قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولاً فهذا هو المنهيُّ عنه وهو فاسد لوجوه: أحدها:

أنَّ البعير إذا برك فإنَّه يضع يديه أولاً وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنَّه ينهض برجليه أولاً وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نَهَى عنه وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى. وكان يضع ركبتيه أولاً ثم يديه ثم جبهته وإذا رفع، رفع رأسه أولاً ثُمَّ يديه ثم ركبتيه وهذا عكس فعل البعير … وذكر نحو كلامه في حاشيته على "سنن أبي داود ".

الثاني: أنَّ قولهم: ركبتا البعير في يديه، كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة، وإنَّما الركبة في الرِّجلينِ، وإنْ أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب (١).

الثالث: أنَّه لو كان كما قالوه، لقال: فليبركْ كما يبركُ البعيرُ وأنَّ أول ما يمسُ الأرض من البعير يداه، وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمل بروك البعير، وعلم أنَّ النَّبيَّ نهى عن بروك كبروك البعير، علم أنَّ حديث وائل بن حُجر هو الصواب، والله أعلم، وكان يقع لي أنَّ حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنُه وأصلُه، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه» … .


(١) إلا أنَّ الطحاوي قال في "شرح معاني الآثار" عقب (١٤٧٨): «فقال قوم: هذا الكلام محال؛ لأنَّه قال: لا يبرك كما يبركُ البعيرُ، والبعيرُ إنَّما يبرك على يديه، ثُمَّ قال: ولكن يضع يديه قبل ركبتيه، فأمره هاهنا أنْ يصنع ما يصنع البعير، ونهاه في أول الكلام أنْ يفعل ما يفعل البعير، فكان من الحجة عليهم في ذلك في تثبيت هذا الكلام وتصحيحه ونفي الإحالة منه، أنَّ البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسوا كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولاً يديه اللتين ليس فيهما ركبتان، ثم يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير».

<<  <  ج: ص:  >  >>