النبي - صلى الله عليه وسلم - له في حجة الوداع مع زوال سببه، وإسلام مَن في مكة (١) بدليل ما جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرَّمَل: إنما كنا راءَيْنا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نحب أن نتركه" (٢).
وروى مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قومٌ قد وهنتهم الحمّى ولقُوْا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحَجَر، وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرمُلُوْا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهم ... " قال ابن عباس: "ولم يمنعه أن يأمرَهم أن يرمُلُوْا الأشواط كلّها إلّا الإبقاءُ عليهم ... "(٣).
إذا تبين لك هذا فاعلم أن الطواف على ثلاثة أوجه:
أوله: طواف القدوم، وهو سنة على ما ذكرتُ لك من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيه: طواف الإفاضة، وهو ركنٌ من أركان الحج لقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[الحج: ٢٩]، وهذا يكون بعد الإفاضة من عرفات على ما سيأتي ذكره في حديث جابر.
ثالثه: طواف الوداع، وهو الذي يقصد به وداع البيت في مكة، ولا سعي بعده، وهو واجب على الصحيح، وسأتعرض له في موضعه إن شاء الله تعالى.
(١) قال الأمير الصنعاني: "وفيه دليل على أنه لا بأس بقصد إغاظة الأعداء بالعبادة وأنه لا ينافى إخلاص العمل بل هو إضافة طاعة إلى طاعة وقد قال تعالى: {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلًّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة ١٢٠] " ج ٢ ص ٧٣٩. (٢) البخاري برقم (١٦٠٥). (٣) أخرجه البخاري باب: كيف كان بدءُ الرمل، برقم ١٥٢٥، ومسلم برقم (١٢٦٦/ ٢٤٠).