وعندنا مُرَجِّحٌ على أن المجيبَ هو اللهُ وهو قولُهُ:{وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ولو كان كذلك لقال: فيزيدُه ويَستجِيبُ الذِين آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ فيزيدُهُم. إذا استجابوا، فلما جاء حرفُ العطفِ الذي يقتضي تساويَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه لم يصحَّ ما قلتَ، وإلا لقال: ويَستجِيبُ الذِين آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ فيزيدُهُم؛ أي: بسببِ استجابتِهِم يزيدُهُم من فضْلِه.
وقوله:{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} آمنوا بقلوبِهِم {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحِهم، والإيمانُ والعملُ الصالحُ يُقرنان دائمًا؛ لأنَّ أحدَهُما ملازمٌ للآخَرِ، فكلُّ من آمن حقًّا فسيعملُ الصالحاتِ قطعًا، دليلُ هذه القاعدةِ: قولُ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "ألا وإن في الجسدِ مضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسَدَ الجسدُ كلُّه"(١).
إذن: آمنوا بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به، وأركانَ الإيمانِ قال عنها النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "إنها الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتُبِه، ورسُلِه، واليومِ الآخِرِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ"(٢).
وقوله:{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الصالحاتُ: هذه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقديرُ: الأعمالُ الصالحاتُ. فما ضابطُ العملِ الصالحِ؟ ضابطُ العملِ الصالحِ: أن يكونَ خالصًا للهِ، موافقًا لشريعةِ الله؛ هذا يقعُ في أمةِ محمدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لكن هل يقعُ في الأممِ السابقةِ؟ الجوابُ: نعم، حين كانت شرائعُهُم قائمةً يقعُ منهم الإيمانُ والعملُ الصالحُ، إذن العملُ الصالحُ ضابطُهُ أن يكونَ خالصًا للهِ موافقًا لشريعةِ الله.
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -. (٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، رقم (٨)، من حديث عمر - رضي الله عنه -.