نَقولُ: حقَّ عليهم قَولُ اللهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} وهذا في الدُّنيا، يعني: مهما عالجتَ الإنسانَ الَّذي حَقَّت عليه كَلِمَةُ اللهِ، فلن يَهتَديَ، وحَقَّت عليهم كَلِمَةُ اللهِ في الآخِرَةِ وهي:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}، إذن لا فائِدَةَ.
إنَّ أَبْرَزَ مَثَلٍ لنا في هذا ما حَصَلَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع عَمِّه أبي طالِبٍ الَّذي كان -أعني: عَمَّه- يُدافِعُ عنه أَشَدَّ المُدافَعَةِ ويُؤويه وَينْصُرُه وَيشْهَدُ أنَّه حقٌّ، لكنَّه لم يَنقاد لذلك ولم يَتَّبعْ، فما أَغْنَى عنه مِنَ اللهِ شيئًا، عند موتِه يَقولُ:"يا عَمِّ، قل: لا إلَهَ إلَّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لك بها عِنْدَ اللهِ"(١)، ولم يَنْفَعْه ذلك كان آخِرَ ما قال: أنَّه على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أبا طالِبٍ عِندَ مَوتِه حَضَرَه النَّبيُّ عَلَيهَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وحَضَرَه رجُلانِ من كِبارِ قُريشٍ، فكان الرَّسوُل يَقوُلُ:"يا عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إلَّا اللهُ وهما يقولانِ له: أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلبِ يَعني عن مِلَّةِ الكُفْرِ"، فآخِرُ ما قال هو على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِب، وأبى أن يَقولَ: لا إِلَهَ إلَّا اللهُ مع العِلْمِ بأنَّه يُقِرُّ وَيعترِفُ بأنَّ الرَّسولَ حَقٌّ، يَقوُل (٢):
لقد عَلِموا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّب ... لَدَينا ولا يُعنى بقَولِ الأباطِلِ
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، رقم (١٣٦٠)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب أول الإيمان قول لا إله إلا الله، رقم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن - رضي الله عنه-. (٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١١١)، وخزانة الأدب (٢/ ٧٦)، وديوان أبي طالب (ص: ٨٧، ١٨٩). (٣) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٠)، وديوان أبي طالب (ص: ٨٤).