قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ" هذا كما وصى النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا أن يقول في دبر كل صلاة:"اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"(١).
فهذا أمران:
أحدهما: شكر العم، وهو مأمور به، قال تعالى:{وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}(٢)، وقال:{وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}(٣) والشكر بالقلب واللسان والعمل بالجوارح.
فالشكر بالقلب: الاعتراف بالنعم للمنعم، وأنها منه وبفضله، وجاء من حديث عائشة مرفوعًا:"مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرُهَا"(٤).
ومن الشكر بالقلب محبة الله عَلَى نعمه، ومنه حديث ابن عباس المرفوع:"أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ (*) بِهِ مِنْ (النِّعَمِ)(**) "(٥).
قال بعضهم: إذا كانت القلوب جبلت عَلَى حب من أحسن إليها، فواعجبًا لمن لا يرى محسنًا إلا الله، كيف لا يميل بكليته إِلَيْهِ؟!
وقال بعضهم:
إذا أنت لم تزدد على كل نعمة ... لمؤتيكها حبًّا فلست بشاكر
إذا أنت لم تؤثر رضى الله وحده ... عَلَى كل ما تهوى فلست بصابر
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٥، ٢٤٧). (٢) البقرة: ١٥٢. (٣) النحل: ١١٤. (٤) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في "الشكر" (٤٧). (*) يغذوكم: أي يرزقكم. (**) نعمة: "نسخة" وهي موافقة لرواية الترمذي. (٥) أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه ..