للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما في الشرع: فلكل منهما إطلاقان: بأن يذكر أحدهما غير مقترن بالآخر، أو يطلق مقترناً بالآخر.

ففي حال عدم اقترانهما: فالإسلام: الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال، والإيمان: قول واعتقاد وعمل.

فكلا التعريفين يفيد الدين كله، فيدخل أحدهما في الآخر.

قال ابن رجب: "فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة، لم يصر من قال: أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف -عليه السلام- أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم؛ قال: قال لي رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: يا عدي، أسلم تسلم، قلت: وما الإسلام؟ قال: (تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها). فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: ١٩]، بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف، منهم محمد بن جعفر بن الزبير" (١).

وقال الشنقيطي رحمه الله: "فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا ... فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد" (٢).

وأما حال اقترانهما: فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك على قولين:

١. القول الأول: إنهما شيء واحد، وممن قال به: محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري (٣) ونسب للبخاري (٤)، وابن حبان البستي (٥)، وأبو طالب المكي (٦)، وابن مندة (٧)، وذهب إليه ابن حزم (٨)، والبيهقي (٩)، ونسبه المروزي للجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث (١٠)، ونسبه ابن عبد البر (١١) إلى عامة أهل الفقه والنظر والمتبعين للسلف والأثر (١٢).

٢. والقول الثاني: التفريق بينهما: وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس والحسن وابن سيرين (١٣)، ونقل عن كثير من السلف (١٤) منهم: قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري،


(١) جامع العلوم والحكم ص (١١٣).
(٢) أضواء البيان (٧/ ٢٩٧).
(٣) من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه، وأيوب فيه ضعف، كذا قال ابن رجب في شرحه لكتاب الإيمان من الصحيح.
(٤) وهذه النسبة تحتاج إلى مزيد تأمل وممن نسب له ذلك ابن رجب وابن حجر في شرحيهما للصحيح.
(٥) فإنه ذكر في تبويبات صحيحه كما في الإحسان (١/ ٣٧٥): (ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد)، ورد على من يرى التفريق بقوله: (ذكر خبرٍ أوهم عالماً من الناس أن الإسلام والإيمان بينهما فُرقان) كما في الإحسان (١/ ٣٨٠).
(٦) فقد ذكر ما يؤيد هذا –نوعا ما- وإن كان كلامه له محمل، في: الفصل الخامس والثلاثون: (ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم). انظر: قوت القلوب (٢/ ٢١٦).
(٧) حيث عقد باباً لبيان أخبار من فرق بين الإيمان والإسلام، ثم عقد باباً في كتابه الإيمان (١/ ٣٢١): (ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد .. الخ).
(٨) انظر: الدرة فيما يجب اعتقاده ص ٣٥٩، الفصل (٣/ ٢٦٩).
(٩) انظر: الاعتقاد للبيهقي ص ٢٣٠.
(١٠) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٩).
(١١) انظر: التمهيد (٩/ ٢٥٠).
(١٢) قال ابن رجب: فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرية التسوية بينهما غير جيد بل قد قيل إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق" انظر: فتح الباري (١/ ١٣٠) وجامع العلوم (١/ ١٠٧).
(١٣) انظر: الإيمان لابن منده (١/ ٣١١).
(١٤) وقد ذكر شيخ الإسلام أنه لا يعرف عن أحد من السلف ولا من المتقدمين خلافه، ثم قال: "ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء" مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>