للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

القول الثاني: أن (المناسك): المذابح. قاله عطاء (١)، ومجاهد (٢)، وعبيد بن عمير (٣).

فكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك.

قال القرطبي: " ومن كسر، فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء" (٤).

قال الزجاج" "والأجود الكسر، لأن الأصل في هذا (أرْئِنَا) فالكسرة إنما هي كسرة همزة ألقيت، وطُرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة، فحذفها قبيح" (٥).

الثاني: {وأرنا مناسكنا} بتسكين (الراء) (٦)، وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا، ودلنا عليها - لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول الشاعر (٧):

أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا

يعني بقوله: (أريني)، دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين.

واختاره أبو عبيد، وأصله: أرئنا، بالهمز، فمن قرأ بالسكون قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول الشاعر (٨):

أرنا إداوة عبدالله نملؤها ... من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا

قال عطاء: {أرنا مناسكنا}، أخرجها لنا، علمناها" (٩).

وروي عن علي بن أبي طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال: " فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا " - أبرزها لنا، علمناها - فبعث الله جبريل، فحج به" (١٠).

قلت: إن القول واحد، إذ لا فرق بين الرؤيتين: رؤية العين ورؤية القلب. والله تعالى أعلم (١١).

قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَا} [البقرة: ١٢٨]، "أي ووفقنا للتوبة فنتوب" (١٢).

قال ابن عثيمين: "والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة؛ ومن الله عزّ وجلّ: هي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منه" (١٣).

قال البيضاوي: " استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهواً. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما" (١٤).


(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٦)، و (٢٠٦٧): ص ٣/ ٧٧.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠٦٨)، و (٢٠٦٩): ص ٣/ ٧٨.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٠٧٠): ص ٣/ ٧٨.
(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٨.
(٥) معاني القرآن: ١/ ٢٠٩.
(٦) وهي قراءة عمر بن عبدالعزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي وروح عن يعقوب ورويس والسوسي. (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧).
(٧) البيت لحاتم الطائي، في "ديوانه" ص ٤٠، ولحطائط بن يعفر، "مجاز القرآن" ١/ ٥٥، "الحجة" ٢/ ٢٢٥، "شرح أبيات المغني" ١/ ٢١٩، وفي "خزانة الأدب" ١/ ٤٠٦، ولدريد في "لسان العرب" ١/ ١٥٨، ولمعن بن أوس في "ديوانه" ص ٣٩. قال: العيني ١/ ٣٢٩: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة. ينظر: "المعجم المفصل" ٢/ ٢٠٢، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" ١/ ٢٤٨.
(٨) لم أعثر على قائله، وقيل في الأصل أدرنا. وبه ينكسر الوزن. والبيت كر في مجموعة من التفاسير: البحر الميط: ١/ ٥٦١، وروح المعاني: ١/ ٣٨٦
(٩) أخرجه الطبري (٢٠٦٨): ٣/ ٧٩.
(١٠) أخرجه الطبري (٢٠٦٩): ٣/ ٧٩.
(١١) وفي في قراءة ابن مسعود: (وأرهم مناسكهم)، يعني بذلك وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم. (انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٨١).
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٣.
(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٦٣.
(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>