الثاني: الحين والزمان والقرن، ومنه قوله تعالى {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: ٤٥]، أي بعد حين وزمان (١)، وذلك لجماعة الشهور والأعوام.
قال الزجاج: " الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم، أي: قرون" (٢).
الثالث: ويقال: هذه أمة زيد، أي أم زيد (٣)، إذ منه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: ٧] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع الجماعة (٤).
وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (٥)، قال الشنفرى (٦):
وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ
الرابع: و (الأمة) أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي حسن القامة (٧)، قال الشاعر (٨):
وإن معاوية الأكرميـ ... ـن حسان الوجوه طوال الأمم
فقوله (طوال الأمم)، أي: طوال القامات (٩).
الخامس: وقيل: (الأمة): الشجة التي تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم (١٠).
السادس: والأمة: الرجَل الذي لا نظير له، ومنه قوله عزَّ وجلَّ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: ١٢٠]، قال أبو عبيدة معنى {كَانَ أُمَّةً}، كان إمَاما (١١).
وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل: "يُبعث أمة وحده" (١٢)، لأنه لم يشرك في دينه غيره (١٣).
السابع: والأمة في اللغة: النَعْمَةُ والخير، قال عدي بن زيد (١٤):
ثم بعد الفلاح والرشد والأ ... مَّةِ وارتْهُمُ هناك القبور.
أي بعد النعمة والخير، وذكر أبو عمرو الشيباني أن العرب تقول للشيخ، إذا كان باقي القوة فلان بِأمَّةٍ، ومعناه راجع إلى الخير والنعمة، لأن بقاءَ قوته من أعظم النعمة (١٥).
الثامن: والأمة: القصد، يقال أمَمْتُ الشيءَ إذا قصدْتُه (١٦).
وتلتقي جميع الأقوال السابقة في القول الأخير، لأن"أصل هذا كله من القصد، فمعنى الأمة في الدين: أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى الأمة في الرجل: المنفرد الذي لا نظير له، أن قصده منفرد من قصد سائر
(١) انظر: المفردات للراغب الأصفهاني: ٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.
(٢) معاني القرآن: ١/ ٢٨٣.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.
(٤) انظر: "لسان العرب" ١/ ١٣٣ - ١٣٤ (أمم).
(٥) انظر: لسان العرب: ١/ ١٣٣ (أمم)، والتفسير البسيط: ٣/ ٣١٩.
(٦) انظر: "ديوانه" ص ٣٥، "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٣ وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، "لسان العرب" ٢/ ٧٦٩ (مادة: حتر)، ١/ ١٣٧ (مادة: أمم)، "المعجم المفصل" ١/ ٥٥٢.
(٧) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.
(٨) البيت للأعشى، انظر: ديوانه: رقم القصيدة ٤. وروايته (عظام القباب) بدل (حسان الوجوه). وفي اللسان (امم) (بيض الوجوه).
(٩) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.
(١٠) تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.
(١١) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.
(١٢) رواه أحمد: (١٦٤٨)، عن ابن إسحاق: وحُدّثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وعمر بن الخطاب وهو ابن عمّه قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنستغفرُ لزيد بن عمرو؟ قال: "نعم فإنه يُبعثُ أمةً وحدهُ".
(١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧.
(١٤) انظر: الشعر والشعراء" ص ١٣٠، "تهذيب اللغة" (فلح) ٣/ ٢٨٢٦، "اللسان" (فلح) ٦/ ٣٤٥٨. ويروى (الملك) بدل (الرشد) و (الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة.
(١٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.
(١٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٣.