للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن كان ابن عباس لم يأخذه عن أهل الكتاب فهو حجة في بناء البيت قبل إبراهيم، وإن كان أخذه منهم فالقضية تبقى محتملة إلى أن يثبت نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا أمر غيبي مبنى العلم به على النص الصحيح عن المعصوم ولا مدخل للاجتهاد فيه (١). والله أعلم.

قال الشيخ ابن عثيمين: " وأخّر ذكر إسماعيل؛ لأن الأصل: إبراهيم؛ وإسماعيل مُعِين؛ هذا الظاهر" (٢).

قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا} [البقرة: ١٢٧]، أي " قائلين: ربنا تقبل منا" (٣).

قال السدي: " يبنيان وهما يدعوان" (٤).

قال ابن عباس: " هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}، قال، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ يبني" (٥).

قال الحسن: " وكان إسماعيل يقول وهما يبنيانه، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فتقبل منهما" (٦).

قال الثعلبي: " أي تقبل منّا بناءنا البيت" (٧).

قال الماوردي: " المعنى: يقولان ربنا تقبل منا، كما قال تعالى: {وَالمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيكُم} أي يقولون سلام عليكم" (٨).

قال الصابوني: "أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة قائلين يا ربنا أقبل منا عملنا هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم" (٩).

قال الزجاج: " المعنى: يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}، ومثله في كتاب اللَّه: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: ٩٣]، ومثله: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، أي يقولون سلام عليكم" (١٠).

قال ابن عثيمين: " يعني كل واحد يقول بلسانه: ربنا تقبل منا، و (القبول) أخذ الشيء، والرضا به؛ ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب، والقبول؛ فتقبُّلُ الله سبحانه وتعالى للعمل أن يتلقاه بالرضا، فيرضى عن فاعله؛ وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه" (١١).

واختلف في قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا} [البقرة: ١٢٧] على قولين (١٢):

أحدهما: أن المعنى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا، وقد أظهره ابن مسعود في قراءته (١٣).

والثاني: وقيل: بل قائل ذلك كان إسماعيل.

ثم اختلف أهل التفسير في الذي رفع القواعد، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها، وفيه أقوال (١٤):


(١) انظر في المسألة: زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٤٤ - ١٤٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٢٠ - ١٢٣، الكامل في التاريخ لابن الأثير: ١/ ٢٩ و ١/ ٦٠ - ٦٢.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥.
(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٦٥.
(٤) أخرجه الطبري (٢٠٥١): ص ٣/ ٦٤.
(٥) أخرجه الطبري (٢٠٥٢): ص ٣/ ٦٥.
(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (١٢٣٩): ص ١/ ٢٣٣.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٧٥.
(٨) النكت والعيون: ١/ ١٩٠.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٨٣.
(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٠٨.
(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٥.
(١٢) تفسير الطبري: ٣/ ٦٥ - ٧٠
(١٣) أي: أن ابن مسعود أظهر الفعل في قراءته فقرأ: يقولان ربنا تقبل منا، وهي قراءة أبي أيضاً. انظر: المحتسب لابن جني: ١/ ١٠٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣١١، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٣٥٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٢٦، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٨٨، الدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٣٦٩.
(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٦٥ - ٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>