وقد منع وقوع النسخ في القرآن أبو مسلم الأصفهاني (١)، وتبعه في ذلك: عبد المتعال محمد الجبري (٢)، وعبد الكريم الخطيب (٣)، والشيخ محمد الغزالي (٤)، وعبد الرحمن الوكيل (٥)، وفي ردود أهل العلم على أبي مسلم قديماً وحديثاً ما يكفي لدحض شبهات كل مدع عدم وقوع النسخ في القرآن الكريم. والله الموفق (٦).
واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: ١٠٦]، على وجوه (٧):
أحدها: أنه قبضها، وهو قول السدي (٨).
والثاني: أنه تبديلها، وهو قول ابن عباس (٩).
والثالث: أنه إثبات خطها وتبديل حكمها، وهو قول ابن مسعود (١٠)، ومجاهد (١١).
والرابع: ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب (١٢).
والقول الثاني هو الأشبه بالصواب، أي: ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وبه قال جمع من أهل التفسير، والله تعالى أعلم.
قال الواحدي: " وكثير من المفسرين حمل النسخ المذكور في الآية على معنى: نسخ الكتاب من الكتاب. فقد حكي عن عدة منهم أنهم قالوا: يريد بالنسخ ما نسخه الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ فأنزله عليه، وهذا ظاهر الإحالة؛ لأنه ليس كل آية نسخت للنبي - صلى الله عليه وسلم - من اللوح المحفوظ، فأنزلت عليه يؤتيه الله ويأتيه بخير منها، ولو كان كذلك لتسلسل الوحي حتى لا يتناهى" (١٣).
قوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: ١٠٦]، أي "أو نتركها" (١٤).
قال الطبري: أي " أو لم يبدله ولم يغير" (١٥).
قال الصابوني: "أي نمحها من قلبك" (١٦).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: ١٠٦]، على أقوال:
أحدها: أنه من النسيان، ضد التذكر. روي عن ابن عباس (١٧)، وسعد بن مالك (١٨)، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو هذا المعنى (١٩).
(١) انظر في الرد عليه: مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠، والمحصول له أيضاً: جـ: ١/ق: ٣/ ٤٦٠، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣/ ١٦٥ - ١٧٩، إرشاد الفحول للشوكاني: ١٨٥، مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ١٠٣، النسخ في القرآن لمصطفى زيد: ١/ ٢٦٧.
(٢) وذلك في كتابيه: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه، ولا نسخ في القرآن لماذا؟ . وقد تصدى للرد عليه: محمد حمزة في كتابه: الإحكام والنسخ: ١٠٠ - ١١٢، ود. محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي: ١١٢ - ١١٤.
(٣) في كتابيه: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه، ولا نسخ في القرآن لماذا؟ . وقد تصدى للرد عليه: محمد حمزة في كتابه: الإحكام والنسخ: ١٠٠ - ١١٢، ود. محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي: ١١٢ - ١١٤.
(٤) في كتابه: نظرات في القرآن: ٢٢٧ - ٢٦ ..
(٥) في: تعليقه على الروض الأنف للسهيلي: ٣/ ١٢ - ١٣
(٦) انظر ما كتبه د. سليمان اللاحم في تعليقه على الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٠٠ - ٤٠٤، وما كتبه د. محمد المديفر في دراسته لكتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد: ٧٢ - ٧٦. وانظر: مقدمة تفسيرنا، إذ تنوالنا فيها موضوح النسخ مفصلا.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤. وتفسير الرازي: ٣/ ٢١٠.
(٨) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٦): ص ٢/ ٤٧٣.
(٩) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٧): ص ٢/ ٤٧٣.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٨): ص ٢/ ٤٧٣.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١٧٤٩): ص ٢/ ٤٧٣.
(١٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦٤٠.
(١٣) التفسير البسيط: ٣/ ٢٣٤، وانظر: الناسخ والمنسوخ لابي عبيد: ص ٧، وتفسير الطبري: ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، ابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٠٠ - ٢٠١، وتفسير القرطبي: ١/ ٥٤ - ٥٦.
(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.
(١٥) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٨.
(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.
(١٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٨): ص ١/ ٢٠٠.
(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٥٩)، و (١٠٦٠): ص ١/ ٢٠٠.
(١٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٠٠.