للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: ١٠٤]، "أي ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبّوه، عذاب أليم موجع" (١).

قال البيضاوي: " يعني الذين تهاونوا بالرسول عليه السلام وسبوه" (٢).

قال قتادة: " {عذاب أليم}، أي موجع" (٣).

قال ابن عطية: " وأعلمَ أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم" (٤).

قال المراغي: " الكافرون هنا هم اليهود، وفي التعبير به إيماء إلى أن ما صدر منهم من سوء الأدب في خطابه صلى الله عليه وسلم كفر لا شكّ فيه، لأن من يصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شرّير، فقد أنكر نبوّته وأنه موحى إليه من قبل ربه، ومتى فعل ذلك فقد كفر واستحق العذاب الأليم" (٥).

قال القاسمي: " أي اليهود الذي توسلوا بقولكم المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَذابٌ أَلِيمٌ لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء: {مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: ٤٦]، ومن ليّهم ما جاء في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون «السام عليكم» (٦)

والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نزد عليهم ب «وعليكم»، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (٧).

يقول الإمام القرطبي: في هذه الآية دليلان (٨):

أحدهما: تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة.

والثاني: التمسك بسد الذرائع (٩) وحمايتها، وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع.


(١) صفوة التفاسير: ١/ ٧٦.
(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ٩٩.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٨): ص ١/ ١٩٨.
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٦٠.
(٥) تفسير المراغي: ١/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٦) صحيح البخاري (٥٦٧٨): ص ٥/ ٢٢٤٢.
(٧) محاسن التأويل: ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٧ - ٦٠
(٩) يقول ابن القيم: وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات.
فنهى الله عن سب آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى عدواً وكفراً على وجه المقابلة.
وأمسك - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه.
ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور، ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق.
ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها، حتى كأنه ينظر إليها.
ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن فاعله.
ونهى عن تعليه القبور وتشريفها وأمر بتسويتها.
ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هاتين الوقتين وقت سجود الكفار للشمس، ففي الصلاة نوع تشبه بهم في الظاهر.
ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة، لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة.
وحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم.
وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح، لكون ذلك ذريعة ظاهرة إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم.
ومنع من تجاوز أربع زوجات، لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور، وعدم العدل بينهن.
ومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو، لما في ذلك ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله.
ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - (راعنا) مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم.
ومن ذلك أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة، لئلا يتخذ ذريعة إلى الابتداع في الدين، وتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة.
ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا، ما أقاموا الصلاة، سداً لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن.

<<  <  ج: ص:  >  >>