و (السِّحر) في اللغة: يطلق على كل شيء خفي سببه ولطف ودق؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السِّحر؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلت علامات المودة بيننا ... مصائد لحظ هن أخفى من السِّحر
فأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشزر (١)
قال الراغب: "تطلق مادة ـ س ح ر ـ عند علماء اللغة على معان جمّة، تبعاً لورود استعمالها في الوضع الذي وقع فيه التخاطب ومنها: التمويه بالحيل والخداع والخفاء والاستمالة واللطافة (٢)، فهو عبارة عما لطف أمره وخفي سببه (٣)، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من البيان لسحراً" (٤)، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وشبَّهه بالسِّحر لأن السِّحر صرف الشيء عن حقيقته (٥).
وسُمِّي السَّحور سَحوراً لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسَّحْر الرئة وهي محل الغذاء، وسُمِّيت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرُه أي رئته من الخوف (٦)، وقالت عائشة رضي الله عنها: "توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سَحْري ونَحْري" (٧)، وقوله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: ١١٦]، أي أخفوا عنهم عملهم.
و(السِّحر) في الاصطلاح لا يمكن تعريفه بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها؛ ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً.
قال بعضهم: السِّحر عزائمُ ورُقَى وعُقَد يؤثِّر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرِّق بين المرء وزوجته ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه (٨).
وقال ابن قدامة: "هو عُقَد ورُقَى يُتَكَلَّمُ به أو يكتبه الساحر أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له" (٩).
وقال البيضاوي: "المراد بالسِّحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس؛ فإن التناسب شرط في التضام والتعاون (١٠).
وقال ابن حجر الهيتمي: "وشرعاً يختص بكل أمر يخفى سببه وعمل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع" (١١).
وقال ابن عرفة رحمه الله في حدوده: "أمر خارق للعادة مسبَّب عن سَبَب معتاد كونه عنه، قال شارحه: معناه أن الخارق للعادة مسبب عن سبب معتاد كون ذلك المسبب عن ذلك السبب فأخرج به الكرامة والمعجزة" (١٢).
واختلف في (السّحر)، هل هو حقيقة أم هو تخييل لا حقيقة له:
والتحقيق أن منه ما هو حقيقة كما دلّ عليه قوله تعالى {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: ١١٦]، لأن وصف سحرهم بالعظيم يدل على أنه غير خيال، وقوله تعالى {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: ١٠٢]، فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبَّر الله عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: ٤]، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن (١٣)، فلولا أن السِّحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه (١٤).
قال ابن قيم: "وقد دل قول الله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: ٤]، وحديث عائشة (١٥) رضي الله عنها على تأثير السحر وأنَّ له حقيقة" (١٦).
ومن السّحر ما هو تخييل، كما في قوله تعالى {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: ٦٦]، وقوله {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: ١١٦]، وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السِّحر خيال لا حقيقة له.
قال النووي: "والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة" (١٧).
قوله تعالى: {وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: ١٠٢]، "أي: وكما اتبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتبعوا ما أنزل على الملَكين وهما هاروت وماروت بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاءً وامتحاناً للناس" (١٨).
قال السعدي: أي " وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر" (١٩).
وقرأ الزهري {هاروت وماروت}، بالرفع على: هما هاروت وماروت. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من: الهرت والمرت - وهو الكسر كما زعم بعضهم - لانصرفا (٢٠).
واختلف في العطف في قوله تعالى: {وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} [البقرة: ١٠٢]، على وجهين (٢١):
أحدهما: عطف على {السحر}، أى ويعلمونهم ما أنزل على الملكين.
والثاني: أنه عطف على {ما تتلو}، أى واتبعوا ما أنزل.
واختلف أهل العلم في تفسير (ما) التي في قوله: {وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} [البقرة: ١٠٢]، على وحهين:
(١) لسان العرب ٤/ ٣٤٨ وما بعدها، معجم المقاييس: ٥٠٧.
(٢) الأصفهاني: غريب القرآن، ص ٢٢٦، وانظر الجوهري (٥/ ٦٧٨).
(٣) ابن كثير: (١/ ١٤٧).
(٤) صحيح البخاري مع فتح الباري، (١٠/ ٢٣٧)، ومسلم برقم ١٤٣٧.
(٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/ ٢٠٢.
(٦) انظر تفصيل الخبر في البداية والنهاية ٣/ ٣٠٨ ط الأولى دار أبي حيان.
(٧) رواه البخاري برقم ١٣٠٠ ومسلم برقم ٤٤٧٣.
(٨) تيسير العزيز الحميد/٣٨٢.
(٩) المغني لابن قدامة المقدسي: ٨/ ١٥٠.
(١٠) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ١/ ٧٩ وهو ناقل لهذا التعريف من الفخر الرازي في تفسيره المسمى: مفاتيح الغيب.
(١١) الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/ ١٦٣.
(١٢) شرح حدود ابن عرفة: ٤٩٢ محمد بن قاسم الرصاع ـ الناشر دار الكتب العلمية.
(١٣) انظر تفسير القرطبي، (٢٠/ ٢٥٧)، وابن كثير (٤|٥٧٣)، والقاسمي (١٠/ ٣٠٢).
(١٤) المغني، ابن قدامة: (٨/ ١٥٠).
(١٥) عن عائشة قالت: سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ من بني زُريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُخيَّلُ إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم ـ أو ذات ليلة ـ وهو عندي، لكنه دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته، قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أثير الناس فيه شراً، فأمر بها فدفنت". وفي رواية مسلم: قال: "فقلت: يا رسول الله ألا أحرقته". [صحيح البخاري، كتاب الطب (١٠/ ٢٢١)، ومسلم (٢١٨٩)].
(١٦) ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد: ٢/ ٢٢٧.
(١٧) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: (١٠/ ٢٢٢).
(١٨) صفوة التفاسير: ١/ ٧٣.
(١٩) تفسير السعدي: ٦١.
(٢٠) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٣.
(٢١) انظر: الكشاف: ١/ ١٧٢.