أحدها: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، "لأنهم خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة، تأمر من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، بمثل الذي يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان"(١). قاله ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، والربيع (٤)، وابن زيد (٥).
والثاني: أنهم اليهود الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام، لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. قاله ابن جريج (٦)، وابن إسحاق (٧).
والثالث: أنه يتناول الكل. واختاره الطبري (٨)، والرازي (٩)، واحتجوا بأنه "لا دليل على التخصيص"(١٠)، أي "لا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: {واتبعوا} بعضا منهم دون بعض"(١١).
قوله تعالى:{تَتْلُو}[البقرة: ١٠٢]، لفظه مضارع لكن هو واقع موقع الماضي (١٢) وهو استعمال شائع، وقد اختلف في تفسيره على وجوه (١٣):
أحدها: الثاني: أن معناه: ما تتبعه وترويه وتعمل به، ومنه قوله تعالى:{هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}[يونس: ٣٠]، "يعني بذلك تتبع"(١٤)، وهذا مذهب ابن عباس (١٥)، وأبي رزين (١٦).
والثاني: أن المراد منه التلاوة والإخبار، ومنه: فلان يتلو القرآن، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت (١٧):
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
والمعنى: أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم. روي ذلك عن مجاهد (١٨)، وقتادة (١٩)، وابن جريج (٢٠)، وابن عباس (٢١).
الثالث: أن معناه: ما تكذب على ملك سليمان، يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. قاله أبو مسلم (٢٢).
(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٥. (٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٥. (٣) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٦): ص ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن أبي حاتم (٩٨٧): ص ١/ ١٨٦، وقد ذكر الأثر ابن كثير، انظر تفسيره: ١/ ٢٤٩. (٤) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٧): ص ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧. (٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٨): ص ٢/ ٤٠٧. (٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٤٩): ص ٢/ ٤٠٧. (٧) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٠): ص ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨. (٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩. (٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧. (١٠) مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧. (١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩. (١٢) والمعنى: ما تلت، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٢، البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: ١/ ١١٣، الدر المصون للسمين: ١/ ٣١٨. (١٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠، ومفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧. (١٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤١١. (١٥) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٥): ص: ٢/ ٤١٠ (١٦) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٦): ص: ٢/ ٤١٠ (١٧) ديوانه: ٨٨، من أبيات قالها حسان في خبر أم معبد، حين خرج رسول الله مهاجرا إلى المدينة. ورواية الديوان: " في كل مسجد "، ورواية الطبري أمثل. (١٨) انظر: تفسير الطبري (١٦٥١): ص ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠. (١٩) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٢): ص ٢/ ٤١٠. (٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٣): ص ٢/ ٤١٠. (٢١) انظر: تفسير الطبري (١٦٥٤): ص ٢/ ٤١٠. (٢٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٦١٧.