للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشوكاني: " والعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله والبغض لأوليائه والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له" (١).

قال ابن كثير: " وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب" (٢)، وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" (٣)، وفي الحديث الصحيح: "وَمَن كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُه" (٤) " (٥).

وقد أتى باسم {الله} ظاهراً، ولم يأت: بأنه عدوّ، لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى، أو عائد على أقرب مذكور، وهو ميكال، فأظهر الاسم لزوال اللبس، أو للتعظيم والتفخيم، لأن العرب إذا فخمت شيئاً كررته بالاسم الذي تقدم له، وذلك كقوله تعالى: {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: ٦٠] (٦)، ومنه قول الشاعر (٧):

لا أرى الموت يسبق الموت شيئا ... نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا

إذ كرر الشاعر (الموت) في جملة واحدة. فـ (الموت) الأول مفعول لـ (أرى)، و (يسبق الموت) مفعول ثانٍ، وكان ينبغي أن يقول: يسبقه شيءٌ؛ لأن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرير ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يُذكر ضميرُهُ، ولكن التكرير قد يراد به التعظيم والتفخيم.

ومنه قول جرير (٨):

ليتَ الغرابَ غداة ينعَبُ دائبا ... كان الغرابُ مقطَّع الأوداج

وقال الزمخشري: " "فجاء بالظاهر ليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر. وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً، فما بال الملائكة؟ وهم أشرف" (٩).

قلت: وهذا عند المعتزلة، أما عند أهل السنة فالأنبياء أشرف.

وقد خص الله {جبريل وميكائيل}، بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما للأسباب الآتية (١٠):


(١) فتح القدير: ١/ ١١٧.
(٢) هكذا ساق ابن كثير - رحمه الله - الحديث والظاهر أنه كتبه من حفظه، وهو حديث قدسي، كما هو ظاهر، وهو في البخاري: ١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ فتح، ولفظه: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آنته بالحرب" فالمؤلف سها حين أثبت كلمة (بارزني)، بدل (آذنته). ومعنى الحديث ثابت من حديث عائشة، رواه أحمد في المسند: ٦/ ٢٥٦، ومن حديث معاذ، رواه ابن ماجة (٣٩٨٩).
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه أبو نعيم في الحلية: ١/ ١١، موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".
(٤) مسند الإمام أحمد (٨٤٧٧): ص ٢/ ٣٥٨.
(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٤٣.
(٦) انظر: البحر المحيط: ١/ ٢٧٦.
(٧) وهو لعدي بن زيد، في "ديوانه" ٦٥. وورد منسوبًا له في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي: ١/ ٣٦، "أمالي ابن الشجري" ١/ ٣٧٩، ٢/ ٦، "الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي: ٨/ ٣٠، "الخزانة" ١/ ٣٧٨، ٣٧٩، ٦/ ٩٠، ١١/ ٣٦٦. وقيل: البيت لسوادة بن عدي، وورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" ١/ ٦٢، والنكت في تفسير "كتاب سيبويه" للشنتمري: ١/ ١٩٨، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٨٧٦، الاقتضاب" ٣٦٨، وقال في "لسان العرب": (لعدي أو سوادة بن عدي). ٨/ ٤٤٨٨ (نغص). وصحح البغداديُّ في "خزانة الأدب" ١/ ٣٨١ أن البيت لعدي بن زيد. وورد غير منسوب في "الخصائص" ٣/ ٥٣، "إيضاح الوقف والابتداء" ١/ ٣٢٠، ٢/ ٦٩٤، "شرح أبيات الكتاب" للنحاس: ٦٧، " القطع والائتناف" له: ٢١٨، "ضرورة الشعر" للسيرافي ١٩٠، "العمدة" لابن رشيق: ٦٨٦، "البيان" للأنباري: ١/ ٦٣، ١٢٢، ١٤٤، ٣٧٩، ٢/ ٤٤، ١٠٧، "مغني اللبيب"٦٥٠.
(٨) ديوانه ٨٩، وأمالي ابن الشجرى ١: ٢٤٣، وغيرهما. ورواية ديوانه " ينعت بالنوى " وهو الجيد، فإن قبله: إن الغراب، بما كرهت، لمولع ... بنوى الأحبة دائم التشحاج
والأوداج جمع ودج: وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم.
(٩) الكشاف: ١/! ٧٠.
(١٠) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦، والتفسير البسيط: ٣/ ١٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>