أحدهما: عن قتادة، أن الآية: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٤]، نزلت في بني اسرائيل، إذ "كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله (١). وروي عن ابن عباس (٢)، والسدي (٣)، وابن جريج (٤)، نحو ذلك.
والثاني: قال ابن زيد: " هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} " (٥).
قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} [البقرة: ٤٤]، أي: " أتأمرون الناس بطاعة الله" (٦).
قال الثعلبي: البر: "الطاعة والعمل الصالح" (٧).
قال ابن عطية: البر: " يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر" (٨).
قال السعدي: البر: " أي: بالإيمان والخير" (٩).
قال أبو حيان: " الهمزة: للاستفهام وضعاً، وشابها هنا التوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره في النهي، قول أبي الأسود (١٠):
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقول الآخر (١١):
وابدأ بِنَفسِكَ فانَهها عَن غِيِّها فَإن انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ
فيقبح في العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله" (١٢).
قوله تعالى: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ٤٤]، أي: "وتتركون أنفسكم" (١٣).
قال ابن عباس: " أي: تتركون أنفسكم" (١٤).
قال ابن عطية: "بمعنى تتركون، كما قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] " (١٥).
قال البيضاوي: أي: "وتتركونها من البر كالمنسيات" (١٦).
قال الطبري: " وتتركون أنفسكم تعصيه؟ . ومعنى " نسيانهم أنفسهم " في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه" (١٧).
قال السعدي: " أي: تتركونها عن أمرها بذلك" (١٨). أي الإيمان والخير.
(١) انظر: تفسير الطبري (٨٤٣): ٢/ ٨.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٨٤٠)، و (٨٤١): ص ٢/ ٧.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٨٤٢): ص ٢/ ٨.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٨٤٤): ص ٢/ ٨.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٨٤٥): ٢/ ٨.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.
(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(٩) تفسير السعدي: ٥١.
(١٠) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.
(١١) منسوب الى أبي الأسود الدؤلي، انظر: الخزانة: ٣/ ٦١٨.
(١٢) البحر المحيط: ١/ ١٥٣.
(١٣) فتح القدير: ١/ ٧٧.
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٩): ١/ ١٠٢.
(١٥) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(١٦) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.
(١٧) تفسير الطبري: ٢/ ٩.
(١٨) تفسير السعدي: ٥١.