للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (١):

ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ

قوله ظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه (٢).

وذكروا في قوله تعالى {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: ٣٥]، وجهان (٣):

أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما.

والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما.

واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة، على أي وجهٍ وقعت منه، على أربعة أقاويل (٤):

أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: {ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: ١١٥]، وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً.

والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ، وإن كان غير قاصدٍ له، كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً، وهو قول سعيد بن المسيب (٥).

والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي، وتأول قوله: {وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: ١١٥] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ.

والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل، فصار عاصياً بإغفال الدليل، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: ٢٢] وهو ما صرفهما إليه من التأويل.

واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل، على ثلاثةِ أقاويلَ (٦):

أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم.

والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ.

والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: ٢٣].

الفوائد:

١ من فوائد الآية: إثبات القول لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: (وقلنا يا آدم).

٢ ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: {يا آدم اسكن .. } إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضاً هو مرتب؛ لقوله تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك}: وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال

٣ ومن فوائد الآية: منّة الله عزّ وجلّ على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة.

٤ ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} (الرعد: ٣٨)


(١) والبيت جاء في بعض كتب التفاسير منسوبًا لعمرو بن قميئة (انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٥٠). وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: " بعيد المقلع ": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: " ظلم البطاح له " وقوله: " له ": أي من أجله.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٢٤.
(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٥.
(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٧٤٩): ١/ ٥٣٠.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>