قال السمرقندي:" يقال: إن محرم ما أحل الله كمحل ما حرم ال"(١).
قال الواحدي:" واعلم أن شريعة نبيه عليه السلام غير ذلك، وأن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء فقال:{وَلَا تَعْتَدُوا} أي لا تجبوا أنفسكم"(٢).
وروي عن عائشة- رضي الله عنها -قالت:"كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب الحلواء والعسل"(٣).
وروي أن الحسن:" كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر؟ هل يعيبه مسلم"(٤).
وجاء رجل إلى الحسن فقال:"إن لي جار لا يأكل الفالوذ، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يروي شكره. قال الحسن: ويشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: جارك جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ"(٥).
الفوائد:
١ - حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله عز وجل.
قال الجصاص:" وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها"(٦).
وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج (٧).
وروي أنه:" كان يأكل الرطب مع الخربز. يعني: البطيخ (٨) "
روي نافع عن ابن عمر-رضي الله عنهما:" انه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا"(٩).
(١) بحر العلوم: ١/ ٤١٤. (٢) التفسير البسيط: ٧/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وانظر: الاقوال في "تفسير الطبري" ٧/ ١٠ - ١١، "الوسيط" ٢/ ٢١٩، البغوي ٣/ ٩٠، "زاد المسير" ٢/ ٤١٢، "الدر المنثور" ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨. (٣) أخرجه البخاري في الأشربة، باب الباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة: ١٠/ ٦٢، والبغوي في شرح السنة: ١١/ ٣٠٨، وتفسيره: ٣/ ٩٠. (٤) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٢. (٥) تفسير الثعلبي: ٤/ ١٠٢. (٦) أحكام القرآن: ٤/ ١١٠ - ١١١. (٧) صحيح البخاري (٥٠٣٩). (٨) رواه أحمد (٣/ ١٤٢ , ١٤٣) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (١٠٥/ ٢) والضياء في " المختارة " (٨٦/ ٢) عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس # مرفوعا .. (٩) مصنف ابن أبي شيبة " (٥/ ١٤٨)، وسنده صحيح كما قال الحافظ في " الفتح " (٩/ ٦٤٨). الحيوان الذي يتغذى على النجاسات، يسمى عند الفقهاء بـ " الجلَّالة ". والْجَلالَة هِيَ الَّتِي تَأْكُل الجِلَّة، والجلة: البَعر. ينظر: " غريب الحديث " للقاسم بن سلام (١/ ٧٨)، و " غريب الحديث " لابن قتيبة (١/ ٢٧٦). وقال أبو داود رحمه الله: " الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ " انتهى من " السنن " (٣٧١٩). وقال الإمام أحمد رحمه الله: " الْجَلَّالَةُ: مَا أَكَلَتِ الْعَذِرَةَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ" انتهى من " مسائل الإمام أحمد " رواية أبي داود (ص/ـ ٣٤٥). فالجلالة: اسم يشمل أي حيوان يتغذى على النجاسات، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو الإوز، أو غيرها من الحيوانات المأكولة. قال النووي رحمه الله: " وَتَكون الْجَلالَة: بَعِيرًا، وبقرةً، وشَاةً، ودجاجةً، وإوزة، وَغَيرهَا " انتهى من " تحرير ألفاظ التنبيه " (ص/١٧٠). الحيوان الذي يتغذى على النجاسات له أحوال: الأولى: أن يكون تغذيه عليها قليلا، وأغلب طعامه من الطيبات، فهذا لا يشمله حكم الجلالة. قال الخطابي رحمه الله: " فأما إذا رعت الكلأ، واعتلفت الحَبَّ، وكانت تنال مع ذلك شيئاً من الجِلَّة، فليست بجلالة، وإنما هي كالدجاج ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها، وغالب غذائه وعلفه من غيرها: فلا يكره أكله " انتهى من " معالم السنن " (٤/ ٢٤٤). الثانية: أن يكون أكثر طعامه من النجاسات، ويظهر تأثير ذلك على الحيوان في نتن لحمه ورائحته، فهذا يشمله النهي، فلا يجوز أكل لحمه وبيضه، ولا شرب لبنه، ولا ركوبه. قال الكاساني رحمه الله: " إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا تَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ، فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ، لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا " انتهى من " بدائع الصنائع " (٥/ ٤٠). الثالثة: أن يكون أكثر طعامه من النجاسات، ولكن لا يظهر تأثير ذلك على الحيوان في لحمه ورائحته، فهل يعد جلالة أم لا؟ مذهب الحنابلة: أنه يعد جلالة؛ لأن الجلالة عندهم هي الحيوان الذي أكثر طعامه من النجاسات، سواء ظهر أثر ذلك على لحم الحيوان ورائحته أم لا. قال ابن قدامة رحمه الله: " فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا " انتهى من " المغني " (٩/ ٤١٣). وأما الحنفية والشافعية: فلم يعدوها من الجلالة؛ لأن شرط الجلالة أن يظهر تأثير أكلها للنجاسات في لحمها ورائحتها. قال السرخسي رحمه الله: " وَتَفْسِيرُ الْجَلَّالَةِ: الَّتِي تَعْتَادُ أَكْلَ الْجِيَفِ .. فَيَتَغَيَّر لَحْمُهَا، وَيَكُونُ لَحْمُهَا مُنْتِنًا فَحَرُمَ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ ... وَأَمَّا مَا يَخْلِطُ فَيَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَغَيْرَ الْجِيَفِ عَلَى وَجْهٍ لا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ " انتهى من " المبسوط " (١١/ ٢٥٥). وقال النووي رحمه الله: " لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عَرَقِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ، وَإِلَّا فَلَا " انتهى من " المجموع شرح المهذب " (٩/ ٢٨). ومما يقوي هذا القول: أن النجاسة التي تستحيل [أي: تتحول إلى مادة أخرى] لا حكم لها، وإنما يكون لها اعتبار إذا ظهر أثرها، إذ أن النباتات والمزروعات التي تتغذى على النجاسات لا حرج فيها؛ لأنها قد طَهُرت باستحالتها إلى غذاءٍ طيب تغذَّت به الشجرة إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر، وكلا الأمرين من باب واحد. والجلالة لا يحل أكل لحمها حتى تزول منها آثار النتن والخبث، وذلك بحبسها، وعلفها طعاماً طيباً طاهراً. قال ابن قدامة رحمه الله: " وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا " انتهى من " المغني " (٩/ ٤١٤). هل أكل لحم الجلالة محرم أم مكروه؟ مذهب الحنابلة: تحريم أكل لحمها وبيضها وشرب لبنها، وكراهة ركوبها. ينظر: " الإنصاف " (١٠/ ٣٥٦)، " شرح منتهى الإرادات " (٣/ ٤١١). ومذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد: كراهة الأكل والشرب والركوب. ينظر: " بدائع الصنائع " (٥/ ٤٠)، " مغني المحتاج " (٤/ ٣٠٤). قال الخطابي رحمه الله: " كُرِهَ أكلُ لحومها وألبانها تنزهاً وتنظفاً، وذلك أنها إذا اغتذت بها وُجِدَ نتنُ رائحتها في لحومها " انتهى من " معالم السنن " (٤/ ٢٤٤). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وَبِهِ جَزَمَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَأَلْحَقُوا بِلَبَنِهَا وَلَحْمِهَا: بَيْضَهَا " انتهى من " فتح الباري " (٩/ ٦٤٨). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " فالنهي فيها عن الركوب للتنزيه، وأما عن الأكل فهو إما كراهة تنزيه وإما كراهة تحريم على خلاف بين العلماء في ذلك " انتهى من " شرح رياض الصالحين " (٦/ ٤٣٥). والحاصل: أن الجلَّالة هي الحيوان الذي يتغذى على النجاسات، ويظهر أثر النجاسة عليه، فلا يجوز في هذه الحال أكل لحمه ولا بيضه ولا شرب لبنه.